مقال | البيت الذي اتسع.. وضاق

د. قاسم بن محمد الصالحي |

كان الناس في ذلك الحي يعرفون أبا يوسف رجلاً لا يكلّ ولا يملّ. يخرج مع الفجر، ولا يعود إلا وقد أرخى الليل سدوله. وكلما سأله أحد: “إلى أين هذا العناء؟.” ابتسم وقال: “أريد أن أؤمّن مستقبل أولادي، فلا يذوقوا ما ذقت”.

ومضت الأعوام كما تمضي السحب؛ لا يشعر المرء بثقلها إلا إذا التفت وراءه.

كبر البيت، حتى غدا حديث الحي. واتسعت غرفه، وازدانت جدرانه، وتعددت السيارات في فنائه، وصار لكل واحد من أبنائه غرفته الخاصة، ومفتاحه الخاص، وعالمه الخاص.

وفي ليلة شتوية، انقطع التيار الكهربائي. أُطفئت الشاشات، وسكتت الأجهزة، وساد البيت صمتٌ لم يألفه أهله.

خرج أبو يوسف إلى المجلس يحمل مصباحاً صغيراً، وجلس ينتظر أن يخرج أحد إليه. طال الانتظار، ثم خرج أصغر أبنائه يسأل بضيق: “متى تعود الكهرباء؟”.

قال الأب مبتسماً: “لا أدري.. ولكن لعلها فرصة لنجلس معاً”.

لم يجلس أحد.

عاد كل واحد إلى غرفته ينتظر الضوء، ولم ينتبه أحد إلى الرجل الذي كان ينتظر وجوهاً، لا مصابيح.

في تلك الليلة، أدرك أبو يوسف حقيقة لم يدركها طوال عمره؛ أن البيوت لا تضيق بقلة المساحة، وإنما تخلو بقلة المودة. وأن الجدران قد ترتفع حتى تعانق السماء، لكنها تعجز عن جمع القلوب إذا افترقت.

لقد قضى عمره يبني منزلاً، ولم ينتبه أن الأسرة لا تُبنى بالإسمنت، وإنما بالوقت الذي نجلسه معاً، وبالكلمات التي نقولها قبل أن يسرقها الانشغال، وبالذكريات التي نصنعها قبل أن تصبح الحسرة بديلاً عنها.

ولعل مأساة هذا العصر أنه لم يبخل علينا بأسباب الرفاه، بل أغدقها حتى حسبنا أننا بلغنا الغاية. غير أنه أخذ منا، في غفلة، أشياء لا تُشترى؛ طمأنينة النفس، ودفء المجالس، وبساطة الأيام، ولذة أن يكون الإنسان حاضراً بقلبه، لا بجسده وحده.

إن الحضارة التي تمنح الإنسان كل وسائل الحياة، ثم تسلبه الحياة نفسها، تستحق أن يُعاد النظر فيها. وليس الفقر أن تقل الممتلكات، وإنما الفقر الحق أن تكثر الأشياء من حولك، ثم تبحث فلا تجد قلباً تؤنسه، ولا مجلساً يطمئن إليه صدرك.

ولعل أعظم ما يحتاجه الإنسان اليوم ليس بيتاً أوسع، ولا راتباً أكبر، ولا هاتفاً أحدث.. وإنما لحظة صادقة يعود فيها إلى نفسه، قبل أن يعود إلى بيته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*