مقال | حين يُصافح التمكينُ التاريخ.. المرأة العُمانية في قلب الشورى

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في لحظةٍ تتقاطع فيها الرؤية مع الامتداد، وتلتقي الإرادة السياسية بعمق التاريخ، تأتي الأوامر السامية بتخصيص مقعدٍ للمرأة العُمانية في مجلس الشورى عن كل محافظة، لا بوصفها إجراءً إداريًا عابرًا، بل باعتبارها تصحيحًا واعيًا لمسارٍ ظلّ حاضرًا في وجدان هذا الوطن، وإن غاب أحيانًا عن صيغ التمثيل.

فالمرأة العُمانية لم تكن يومًا طارئة على المشهد الوطني، ولا هامشًا في سرديته. منذ فجر التاريخ، كانت حاضرة في الفعل قبل القول، وفي البناء قبل التوصيف. نستذكر في هذا السياق شخصية غالية البوسعيدية التي تصدّرت مشهد المقاومة والإدارة في زمنٍ كانت فيه الأزمات تختبر معادن الرجال قبل النساء، فإذا بها تثبت أن القيادة ليست حكرًا، وأن الانتماء للوطن يُقاس بالفعل لا بالنوع. كما تحضر في الذاكرة مزنة بنت أحمد بوصفها نموذجًا لامرأةٍ أسهمت في تثبيت دعائم الدولة، وشاركت في صناعة القرار ضمن سياقاتها التاريخية.

هذه النماذج لم تكن استثناءً، بل تعبيراً عن بنية اجتماعية وثقافية أدركت مبكراً أن المرأة شريك أصيل في صياغة المصير، وأن حضورها ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية.

ومن هنا، تأتي هذه الخطوة لتعيد ترتيب العلاقة بين التاريخ والمؤسسة. فهي لا تمنح المرأة موقعاً بقدر ما تستعيد لها موقعها، ولا تفرض حضوراً بقدر ما تضمن استمراريته. إذ إن تخصيص أحد عشر مقعداً للمرأة، مع الإبقاء على تنافسها في الإطار الانتخابي العام، يعكس فهمًا دقيقاً لطبيعة التوازن المطلوب بين التمكين والعدالة.

إنها معادلة ناضجة: حضورٌ مضمون دون إلغاء التنافس، وفرصةٌ إضافية دون إقصاء الآخرين. فلا تُختزل المرأة في “مقعدٍ محجوز”، ولا تُترك رهينةً لتحولات المزاج الانتخابي. بل تُمنح فضاءً أوسع لتثبت جدارتها، ضمن قواعد اللعبة ذاتها.

وفي هذا المعنى، فإن التوجيه السامي لا يضيف رقماً إلى قائمة المقاعد، بل يضيف بعدًا إلى فلسفة الشورى ذاتها. إنه يعيد تعريف المشاركة بوصفها شمولًا لا انتقاء، واستدامة لا ظرفية، ويؤسس لوعيٍ مجتمعي يرى في المرأة عنصر توازنٍ لا عنصر استثناء.

الخلاصة التي يمكن الإمساك بها بثقة هي أن هذه الخطوة تجمع بين التمكين المؤسسي والحفاظ على التنافس الديمقراطي دون الإخلال به؛ وهي بذلك لا تنحاز إلى طرف، بل تنحاز إلى الفكرة الكبرى: أن الوطن يكتمل حين تتكامل أدوار أبنائه وبناته.

وهكذا، تمضي عُمان، وهي تُحسن الإصغاء لتاريخها، وتُحسن في الوقت ذاته كتابة فصلٍ جديدٍ منه.. فصلٍ تُوقّعه المرأة، لا بالحضور فقط، بل بالأثر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*