مقال | حين يغيب القريب ويُستدعى البعيد

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في لحظةٍ إقليمية تتكاثر فيها الانقسامات، وتُستدعى فيها خرائط القوة من خارج الجغرافيا، تبدو الآية الكريمة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ أكثر من نداءٍ عقدي؛ إنها دعوةٌ مفتوحة لإعادة ترتيب البيت من الداخل قبل طرق أبواب الخارج.

ليست مشكلتنا في الشرق ندرة المشتركات، بل في سوء إدارتها. فنحن نتقاسم تاريخاً متداخلاً، وثقافاتٍ متجاورة، وروابط إنسانية عميقة، لكننا—حين تشتد الأزمات—نقفز فوق هذا القريب إلى “بعيدٍ” نظنه أقدر على الحسم، فإذا به يعيد تشكيل أزماتنا وفق مصالحه، لا وفق حاجاتنا. هنا تتحول الاستعانة إلى استقواء، ويتحوّل الدعم إلى تبعية، وتُختزل السيادة في هامشٍ ضيق بين إراداتٍ أكبر.

“الكلمة السواء” ليست تسويةً هشة، بل قاعدة صلبة: أن نلتقي على ما يجمعنا أولًا، وأن نُدير اختلافنا دون أن نُفكك أوطاننا أو نُفرغها من معناها. هي دعوة لأن تعود النخب إلى مسؤوليتها الأصلية: بناء الجسور لا المتاريس، وصياغة خطابٍ يُهدّئ الشارع بدل أن يشحنه، ويُعيد تعريف القوة باعتبارها قدرة على التوافق، لا على الغلبة.

أما الشعوب، فهي الخاسر الأكبر حين يُستبدل القريب بالبعيد. فكل مرة يُستدعى فيها الخارج لحسم صراعٍ داخلي، تُدفع الفاتورة من الاستقرار والاقتصاد والنسيج الاجتماعي. وكل مرة يُهمل فيها المشترك، تتسع فجوة الثقة، ويصبح الوطن ساحةً مفتوحة لتجارب الآخرين.

لا يعني ذلك الانكفاء أو القطيعة مع العالم، بل إعادة ضبط العلاقة معه: تعاونٌ من موقع الندية، لا ارتهانٌ من موقع الحاجة. فالذي لا يُحسن إدارة خلافه مع شقيقه، لن يُحسن إدارة شراكته مع غريبٍ أقوى.

إن استعادة “الكلمة السواء” اليوم ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. فهي المدخل لإطفاء حرائق الهوية، وكبح نزعات الاستقواء، وبناء حدٍ أدنى من الثقة يسمح للمجتمعات أن تتنفس خارج منطق الصراع الدائم.

الطريق ليس سهلاً، لكن البديل مكلفٌ حدّ الاستنزاف. وبين أن نختلف تحت سقفٍ واحد، أو أن نتحارب تحت ظلال الآخرين، يبقى الخيار—كما تُذكّرنا الآية—واضحاً: أن نبدأ من المشترك.. قبل أن يفرضه علينا البعيد بشروطه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*