مقال | حين تتكلم السيادة بلغة الحكمة.. دبلوماسية عُمان بين الحزم والاحتواء

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في عالم تتسارع فيه الأزمات، وتعلو فيه أصوات القوة، تبقى قيمة الدول في قدرتها على التعبير عن مواقفها دون أن تفقد اتزانها، وعلى حماية مصالحها دون أن تنجر إلى منطق التصعيد. ومن هنا تأتي دلالة تسليم سلطنة عُمان مذكرة احتجاج إلى السفير الإيراني على خلفية استهداف مواقع في محافظتي مسندم والوسطى بطائرات مسيّرة؛ فهي ليست مجرد إجراء دبلوماسي بروتوكولي، بل رسالة سياسية محسوبة تحمل بين سطورها الكثير من المعاني.

فاللغة التي اختارتها مسقط تعكس طبيعة المدرسة الدبلوماسية العُمانية؛ حزم في الدفاع عن السيادة، وهدوء في إدارة الخلاف. فالدول التي تؤمن بالحوار لا تعني أنها تقبل تجاوز الخطوط الحمراء، بل إن الحوار الحقيقي لا يستقيم إلا على قاعدة الاحترام المتبادل، وعدم المساس بأمن الدول أو تحويل الجوار الجغرافي إلى مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.

ما بين سطور المذكرة أن عُمان، رغم دورها التاريخي كجسر للتواصل وتقريب وجهات النظر، تظل دولة لها سيادتها ومصالحها التي لا تقبل المساس. فالحياد الإيجابي لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الخطأ والصواب، وإنما يعني امتلاك القدرة على قول “لا” عندما تُنتهك المبادئ التي يقوم عليها الأمن والاستقرار.

كما تحمل الرسالة بُعدًا إقليميًا أوسع؛ فالأمن في الخليج لا يمكن أن يُبنى على حسن النوايا وحدها، بل يحتاج إلى قواعد واضحة تحكم علاقات الجوار. فالجغرافيا تفرض التقارب، لكنها لا تبرر التجاوز، والتاريخ المشترك لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لأي تصرف يمس سيادة الدول.

وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تؤكد مسقط مرة أخرى أن الدبلوماسية ليست ضعفاً، وأن ضبط النفس ليس غيابًا للقوة. فالقوة الحقيقية للدولة تكمن في قدرتها على الجمع بين الحكمة والصلابة؛ أن تفتح أبواب الحوار، لكنها لا تغلق أبواب المسؤولية الوطنية.

إن المذكرة التي سُلّمت لم تكن مجرد ورقة احتجاج، بل كانت تعبيراً عن مبدأ راسخ: أن السلام يحتاج إلى احترام، وأن حسن الجوار مسؤولية متبادلة، وأن الدول مهما كانت علاقاتها التاريخية لا تبنى بينها الثقة إلا عندما تُصان السيادة ويُحترم أمن الجميع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*