د. قاسم بن محمد الصالحي |
ليس كل مقترح يحمل نية حسنة يكون بالضرورة سياسة ناجحة، فالسياسات العامة لا تُقاس بحسن المقصد، وإنما بقدرتها على تحقيق أثر مستدام، وبما تستند إليه من دراسات مالية واقتصادية وقانونية واضحة.
ومن هذا المنطلق، يثير مقترح تمديد دعم الأجور إلى خمس سنوات تساؤلات مشروعة أكثر مما يقدم إجابات. فما الأساس الذي بُني عليه هذا المقترح؟. وهل سبقه تحليل لتكلفته على المالية العامة؟. ومن سيتحمل هذا العبء؟. وهل توجد مؤشرات تؤكد أن تمديد الدعم سيؤدي فعلًا إلى استقرار وظيفي، أم أنه سيؤجل المشكلة إلى ما بعد انتهاء سنوات الدعم؟.
إن فلسفة دعم الأجور، كما تُطبق في كثير من التجارب، تقوم على كونه أداة انتقالية، تساعد المنشأة على استيعاب الباحث عن عمل، وتمنحه فرصة لاكتساب الخبرة وإثبات الكفاءة، ثم تنتقل مسؤولية الأجر كاملة إلى صاحب العمل عندما تصبح الوظيفة جزءاً من احتياجاته التشغيلية. أما إذا طال أمد الدعم، فقد تتغير طبيعة هذه الفلسفة، ويتحول الدعم من حافز مؤقت إلى التزام دائم على الدولة، بما قد يضعف الحافز لدى بعض المنشآت على الاستثمار الحقيقي في رأس المال البشري.
الأهم من ذلك أن الاستقرار الوظيفي لا يُصنع بتمديد فترة الدعم وحدها. فهو يبدأ من منشأة منتجة، وبيئة عمل جاذبة، وعقد عمل متوازن، وتشريعات تحمي الحقوق، وبرامج تدريب ترفع كفاءة الموظف، وآليات تربط الدعم بالإنتاجية والنمو الوظيفي وتحسن الأجر، لا بمجرد استمرار صرف الإعانة.
ومن هنا، فإن النقاش الوطني يحتاج إلى الانتقال من سؤال: كم سنة يستمر الدعم؟. إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نجعل الوظيفة مستدامة حتى بعد انتهاء أي دعم حكومي؟. فالدولة تستطيع أن تساعد على الانطلاق، لكنها لا تستطيع أن تكون شريكاً دائماً في فاتورة الأجور دون اعتبارات تتعلق بالاستدامة المالية وكفاءة الإنفاق.
إن المجتمع العُماني اليوم يتطلع إلى حلول تعالج جذور التحديات، لا مظاهرها؛ حلول تعزز تنافسية القطاع الخاص، وترفع إنتاجية العامل، وتبني علاقة متوازنة بين الحكومة وأصحاب الأعمال، بحيث يصبح الدعم وسيلة لبناء سوق عمل أكثر قوة، لا غايةً في حد ذاته.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة