مقال | شبابنا بين قاعة المحاضرات.. ومدرسة الحياة

 

د. قاسم بن محمد الصالحي |

من أكثر المشاهد التي استوقفتني خلال سنوات عملي في الجمهورية التركية، ذلك الحضور اللافت للطالب الجامعي في تفاصيل الحياة اليومية. تراه في المقهى، أو المطعم، أو المكتبة، أو المتجر، أو الورشة، أو في شركة ناشئة، يؤدي عمله بثقة، ثم يعود إلى جامعته ليواصل دراسته. لم يكن ذلك استثناءً، بل كان جزءاً من ثقافة مجتمع يؤمن بأن التعليم والعمل جناحان لا يكتمل التحليق بأحدهما دون الآخر.

لم أشعر يوماً أن المجتمع ينظر إلى هؤلاء الشباب نظرة دونية، بل على العكس، كان العمل يُنظر إليه باعتباره وسامًا من الاعتماد على النفس، ودليلاً على النضج، واستثماراً مبكراً في بناء المستقبل. هناك يدرك الجميع أن الخبرة لا تُمنح مع شهادة التخرج، وإنما تُكتسب عبر الاحتكاك بالحياة، والتعامل مع الناس، وتحمل المسؤولية، والالتزام بالمواعيد، وإتقان العمل مهما كان بسيطاً.

وأحسب أننا في سلطنة عُمان نملك اليوم فرصة حقيقية لترسيخ هذه الثقافة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 التي تجعل الإنسان محور التنمية، وتراهن على الشباب باعتبارهم رأس المال الحقيقي للوطن.

ليس المطلوب أن ينشغل الطالب عن دراسته، ولا أن يتحول العمل إلى عبء يؤثر في تحصيله العلمي، وإنما أن تتحول ساعات الفراغ والإجازات الأسبوعية والصيفية إلى مساحات للتعلم العملي، سواء في المطاعم، أو المقاهي، أو المتاجر، أو الورش، أو المؤسسات المرتبطة بتخصصه. فهذه التجارب تصنع شخصية متوازنة، وتكسبه مهارات لا توفرها قاعات الدراسة وحدها.

إن كثيراً من أصحاب الشركات الكبرى حول العالم بدأوا من أعمال بسيطة، ولم يكن ذلك انتقاصاً من طموحهم، بل كان البداية التي صنعت خبرتهم، ورسخت فيهم قيمة الجهد، واحترام الوقت، وفهم السوق، وتقدير الإنسان الذي يعمل في مختلف المهن.

وربما يكون التحدي الأكبر ليس في إيجاد الفرص، بل في تغيير الثقافة المجتمعية. فما زال بعض الشباب يتردد في خوض هذه التجارب خشية نظرة الآخرين، بينما الحقيقة أن المجتمعات التي سبقتنا لم تنهض إلا يوم احترمت كل عمل شريف، وربطت الكرامة بالإنتاج لا بالمسمى الوظيفي.

إننا بحاجة إلى مبادرة وطنية تشارك فيها الجامعات، والقطاع الخاص، والمؤسسات الحكومية، لتنظيم فرص العمل الجزئي للطلبة، وحمايتها قانونياً، وربطها ببرامج التدريب والتأهيل، حتى تصبح جزءاً من رحلة بناء الإنسان العُماني، لا مجرد وسيلة لتحقيق دخل إضافي.

وأثق أن شباب عُمان قادرون على أن يقدموا نموذجاً يُحتذى به متى ما أُتيحت لهم الفرصة، وتغيرت النظرة إلى العمل. فالوطن لا يحتاج إلى حملة شهادات فحسب، بل يحتاج إلى شباب يعرفون كيف يصنعون الفرص، ويؤمنون بأن كل ساعة عمل شريف هي استثمار في مستقبلهم، وإضافة حقيقية إلى قوة عُمان واقتصادها ومجتمعها.

فالجامعة تمنح المعرفة.. أما العمل، فيمنح الحياة معناها العملي. وحين يجتمع الاثنان، يولد الإنسان القادر على صناعة مستقبله، والإسهام في صناعة مستقبل وطنه.

أرى أن هذا التوجه ليس مجرد قضية تشغيل مؤقت للشباب، بل مشروع ثقافي ووطني يعيد الاعتبار لقيمة العمل، ويؤسس لجيل أكثر اعتماداً على النفس، وأكثر استعداداً لقيادة الاقتصاد والمجتمع في المستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*