د. قاسم بن محمد الصالحي|
في هذه المنطقة التي تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ، لا يبدو العيش المشترك خياراً طارئاً، بل حقيقة راسخة تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل بين شعوبٍ وجماعاتٍ لم تعرف الانعزال يوماً بقدر ما عرفت التداخل، والتجاور، وتبادل المصالح، والصراعات أيضاً. فالإقليم لم يكن في أي مرحلة من مراحله فضاءً صامتاً، بل كان دائماً فضاءً نابضاً بالحركة البشرية والثقافية والتجارية والدينية، حيث تتجاور اللغات كما تتجاور الأسواق، وتلتقي الأديان كما تلتقي الطرق القديمة للقوافل.
إن قراءة هذا التاريخ لا تُظهر فقط لحظات التوتر والانقسام، بل تكشف أيضاً عن قدرة عميقة على إعادة إنتاج التوازن بعد كل أزمة. فكل جيل في هذه المنطقة ورث صراعات من الجيل الذي سبقه، لكنه ورث معها أيضاً خبرة التعايش وإدارة الاختلاف، ولو بأشكال متفاوتة. ومن هنا، فإن ما يبدو أحياناً كحلقات متكررة من الصراع، هو في جوهره تراكم طويل من محاولات البحث عن صيغة للعيش الممكن، لا المثالي.
اليوم، ومع تسارع التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، تبدو الحاجة إلى استحضار هذه الذاكرة التاريخية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالإقليم يقف أمام مفترق طرق: إما أن يعيد إنتاج منطق الانقسام الذي استنزف طاقاته لعقود، أو أن يعيد اكتشاف منطق العيش المشترك الذي شكّل في لحظات كثيرة أساس استقراره النسبي. وبين الخيارين، تبرز أهمية تحويل التجربة التاريخية من مجرد سجل للأحداث إلى مرجعية للتعلم وصناعة القرار.
إن المستقبل لا يُبنى بإنكار الماضي، بل بفهمه واستيعابه. فكل صراع في هذه المنطقة حمل في طياته درساً غير مكتوب عن حدود القوة، وعن كلفة الإقصاء، وعن هشاشة الأمن حين يُبنى على الخوف لا على الثقة. وفي المقابل، فإن كل لحظة استقرار نسبي كانت ثمرة تفاهمات، صريحة أو ضمنية، أدرك فيها الفاعلون أن لا أحد يملك القدرة على إلغاء الآخر، وأن الجغرافيا تفرض منطق التشارك مهما اشتدت الخلافات.
ومن هنا، فإن إعادة التفكير في مستقبل الإقليم تقتضي الانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة بناء المصير المشترك. مصير لا يُلغي الخصوصيات، بل ينظمها ضمن إطار أوسع من التفاهم، ولا يُنهي التنافس، بل يضبطه ضمن قواعد تمنع تحوله إلى صدام مفتوح.
لقد علمتنا التجربة أن القوة وحدها لا تصنع استقراراً دائماً، وأن الانتصارات المؤقتة لا تؤسس سلاماً دائماً، وأن الإقليم الذي لا يتعلم من تاريخه محكوم عليه بتكراره. أما الإقليم الذي يقرأ تاريخه بوصفه سلسلة من الدروس، لا من الخصومات فقط، فهو القادر على تحويل التعدد إلى مصدر غنى، لا إلى سبب انقسام.
وفي النهاية، يبقى العيش المشترك في هذه المنطقة ليس شعاراً سياسياً، بل ضرورة تاريخية، تفرضها الجغرافيا كما تفرضها الذاكرة، ويعيد المستقبل طرحها بإلحاح أكبر كلما اقتربنا من حافة التحولات الكبرى.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة