د. ناصر بن علي الجهوري |
قد تبدو الفيزياء علماً يفسر المادة والطاقة وحركتهما، لكنها في جوهرها منهج للتفكير لفهم الأنظمة المعقدة، بما فيها التنمية والاقتصاد والسياحة.
ومن أهم القوانين التي تكشفها الفيزياء أن الطاقة لا توجد من العدم ولا تفنى، وإنما تتحول من صورة إلى أخرى. وهذا المبدأ يفسر جانباً من أسرار النجاح التنموي للدول؛ فالثروة الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الموارد المتاحة، بل في القدرة على تحويل تلك الموارد إلى إنتاج فاعل، وقيمة مضافة، وفرص عمل، ومشروعات مستدامة.
ويمكن لسلطنة عُمان أن تجسد هذا المبدأ. فجبالها، وسواحلها، وصحاريها، وأوديتها، وتراثها الحضاري، هي طاقات كامنة تحمل إمكانات كبيرة. وكما تتحول الطاقة الكامنة في الفيزياء إلى طاقة حركية عند توافر الظروف المناسبة، فإن هذه المقومات تتحول إلى عوائد اقتصادية عندما تتكامل الرؤية، والاستثمار، والبنية الأساسية، والخدمات، والتسويق الفعّال.
وقد أثبتت تجارب الدول أن الاستثمار العلمي في المقومات الطبيعية والثقافية قادر على تحويل السياحة إلى أحد أهم محركات الاقتصاد، ليس من خلال زيادة أعداد الزوار فحسب، بل عبر تنويع مصادر الدخل، ورفع التنافسية، وتعزيز فرص العمل، وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال.
ينص المبدأ الفيزيائي على أن الأنظمة الفيزيائية تميل إلى حالات اتزان واستقرار وفق ظروفها. وكذلك الاقتصاد الناجح لا يعتمد على مورد واحد أو قطاع واحد، بل يقوم على التنويع والتكامل والمرونة في مواجهة المتغيرات. ومن هذا المنطلق، تمثل السياحة أحد القطاعات الإستراتيجية القادرة على الإسهام في تحقيق التنويع الاقتصادي، وتعزيز الاستثمار، وإبراز الهوية الثقافية والحضارية، ودعم التنمية في مختلف المحافظات.
وكما أن الجسم الساكن لا يتحرك إلا بقوة مؤثرة، فإن الموارد تبقى إمكانات معطلة ما لم تدفعها الرؤية والاستثمار والسياسات المحفزة والشراكات الفاعلة نحو الإنتاج.
ومن المبادئ الفيزيائية كذلك أن التأثيرات الصغيرة قد تُحدث نتائج كبيرة عندما تتفاعل داخل منظومة مترابطة. فكل سائح يسهم في تنشيط سلسلة من الأنشطة الاقتصادية تمتد من النقل والإيواء والمطاعم إلى التجارة والخدمات، لتتحول الزيارة الواحدة إلى قيمة ودورة اقتصادية متكاملة يستفيد منها المجتمع.
إن قراءة الاقتصاد والسياحة بمنطق الفيزياء تذكرنا بأن النجاح لا يولد صدفة، بل يصنعه فهم القوانين التي تحكم الحركة والتغيير والنمو. وكما أن الكون يسير وفق سنن دقيقة، فإن التنمية المستدامة تحتاج إلى رؤية، وتخطيط علمي، واستثمار الموارد، وقدرة على تحويل الإمكانات الكامنة إلى منجزات ملموسة.
لقد تعلمت من الفيزياء أن أعظم الإنجازات تبدأ بطاقة كامنة تنتظر من يحولها إلى حركة. وهذا ما تمتلكه سلطنة عُمان؛ مقومات وفرصاً قادرة على بناء اقتصاد أكثر تنافسية وسياحة أكثر استدامة. فالاقتصادات الناجحة، كما الطبيعة، لا تتحدى القوانين، بل تفهمها وتحسن توظيفها وتحولها إلى قوة دافعة نحو التنمية والازدهار.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة