مقال | أبناؤنا ووسائل التواصل.. مسؤولية أسرة وأمانة مجتمع

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد نافذة يطل منها أبناؤنا على العالم، بل أصبحت عالمًا كاملاً يدخل بيوتنا دون استئذان، ويشاركنا مجالسنا، ويؤثر في أفكار الناشئة وقيمهم ولغتهم وسلوكهم. وما كان في زمن مضى يحتاج إلى رحلة وسفر، أصبح اليوم يصل إلى الطفل وهو بين يدي والديه، يحمل هاتفاً صغيراً، لكنه يفتح أبواباً واسعة على الخير كما يفتح أبواباً أخرى على المخاطر.

وفي المجتمع العُماني، الذي قامت بنيته على الأسرة المتماسكة، والمجلس العامر بالحكمة، والقرية التي يتشارك أهلها مسؤولية التربية، لا ينبغي أن تتحول تربية الأبناء في الفضاء الرقمي إلى مسؤولية فردية، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من البيت، وتمتد إلى المدرسة، وتشارك فيها مؤسسات الدولة والإعلام والمجتمع.

فالطفل الذي لم يبلغ السن القانونية لا يمتلك بعدُ النضج الكافي لتمييز الحق من الباطل، ولا الخبرة التي تعينه على كشف التضليل أو مقاومة الاستدراج أو فهم آثار ما ينشره اليوم على مستقبله غداً. ولذلك فإن منحه هاتفاً متصلاً بالعالم دون توجيه، يشبه أن نتركه يبحر وحده في بحر متلاطم الأمواج، ثم نستغرب إن عاد إلينا مثقلاً بما لا يطيق.

إن التربية الرقمية ليست منعًا مطلقًا، وليست إطلاقاً بلا حدود، وإنما هي مرافقة واعية. فالأب لا يراقب ابنه لأنه يشك فيه، بل لأنه يحبه. والأم لا تسأل ابنتها عمّا تشاهده لأنها تقيدها، بل لأنها تحمي قلبها وعقلها. والحوار الصادق داخل الأسرة يظل أقوى من كل برامج الرقابة الإلكترونية.

ومن الحكمة أن يتعلم الأبناء منذ صغرهم أن لكل كلمة مسؤولية، ولكل صورة أثراً، ولكل مشاركة تبعاتها. وأن ما يُنشر قد يبقى سنوات طويلة، وأن الخصوصية نعمة لا يجوز التفريط بها، وأن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بعدد المتابعين ولا بكثرة الإعجابات.

كما ينبغي أن تُغرس في نفوسهم القواعد القرآنية التي تضبط التعامل مع العالم الرقمي: فلا ينشرون خبراً قبل التثبت، ولا يتهمون أحداً بلا برهان، ولا يسخرون من الناس، ولا يخوضون فيما لا يعلمون، ويختارون دائمًا الكلمة الطيبة، ويعرضون عن الجدل العقيم. فهذه ليست توجيهات للاستخدام الرقمي فحسب، بل هي منهج حياة يصنع إنساناً مسؤولاً.

وللمدرسة دور لا يقل أهمية عن دور الأسرة. فالتعليم اليوم لم يعد مقتصراً على القراءة والكتابة، بل أصبح مطالبًا ببناء “المواطنة الرقمية”، وتعليم الطلبة كيف يستخدمون التقنية بوعي، ويحترمون القانون، ويصونون خصوصيتهم، ويحافظون على هويتهم الوطنية والثقافية، ويكونون سفراء لأخلاقهم في العالم الافتراضي كما هم في الواقع.

أما المجتمع، بكل مؤسساته، فهو مطالب بأن يجعل حماية الطفل في الفضاء الرقمي قضية ثقافية عامة، لا مجرد حملات موسمية. فالمسجد، والإعلام، والنادي، والجمعيات الأهلية، جميعها شركاء في صناعة وعي جديد يواكب التحولات المتسارعة.

إن أبناءنا ليسوا بحاجة إلى هواتف أحدث، بقدر حاجتهم إلى بصيرة أعمق. وليسوا بحاجة إلى ساعات أطول أمام الشاشات، بقدر حاجتهم إلى ساعات أجمل مع أسرهم، في مجلسٍ عامر بالمودة، وحديثٍ يزرع الثقة، وقدوةٍ تُترجم القيم إلى سلوك.

فإذا أحسنت الأسرة التربية، وأحسنت المدرسة التعليم، وأحسن المجتمع الاحتواء، أصبحت وسائل التواصل وسيلةً للبناء لا للهدم، وللعلم لا للجهل، وللتقارب لا للتنافر.

وحينها فقط، سنطمئن أن أبناء عُمان، وهم يعبرون الفضاء الرقمي، يحملون معهم ما حمله الآباء والأجداد عبر البحر والصحراء: خُلقاً رفيعاً، وعقلاً راجحاً، وهويةً راسخة، وضميراً لا يبيع الحقيقة، ولا يفرط في الأمانة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*