د. عيسى العمري |
ليست السياحة حين نمعن النظر فيها لونا واحداً يقاس بمقياس واحد فبينما يقصد بعض المسافرين الشواطئ والمنتجعات هرباً من صخب الحياة، او يفتشون عن طبيعة بكر لم تمسها يد العمران ثمة نمط آخر من الترحال يشدّ الانسان الى ذاكرته الروحية وجذوره التاريخية، هو ما بات يعرف ب (السياحة الدينية).
وقد تحول هذا النمط في العقدين الأخيرين الى مورد اقتصادي تتنافس عليه الدول لتنويع دخلها وخلق فرص عمل جديدة. وفي سلطنة عُمان تلوح فرصة استثنائية للاستثمار في هذا القطاع لا سيما مع التوجهات المدروسة لوزارة التراث والسياحة والتي افتتحت مكتب تمثيل سياحي في شرق اسيا يغطي كل من إندونيسيا، سنغافورة، ماليزيا وتايلند. ويواكب هذا الحراك توسع طموح لشركات الطيران اذ دشنت طيران السلام أولى رحلاتها المباشرة بين مسقط ومدينة ” ميدان ” الإندونيسية في خطوة لا تفتح بابا للمسافرين الإندونيسيين نحو الشرق الأوسط فحسب بل تلبي أيضا طلباً متنامياً من المعتمرين الذين يجدون في مسقط محطة تربطهم بجدة والمدينة المنورة فتغدو سلطنة عُمان بذلك محطة روحية أولى قبل أداء المناسك. وهنا تكمن نقطة جداً مهمة وهي أن السائح الآسيوي والإندونيسي على وجه التحديد يتخلف جوهريا عن نظيره الأوروبي الذي يبحث غالبا عن الشمس والبحر فما يحرك القادم من شرق آسيا هو شغف الاستكشاف الروحي والانفتاح على التنوع الثقافي والتواصل مع تاريخ ديني ضارب في القدم .
وحين نتحدث عن هذا الشغف، تبرز محافظة ظفار وجهة سياحية تزخر بمزارات دينية وأثرية تستحق ترويجا أوسع مما تحظى به اليوم. فمحافظة ظفار تحتضن العديد من الأضرحة التي تنسب تاريخياً الى ثلاث من الأنبياء وهم أيوب وعمران وصالح عليهم السلام الى جانب العديد من الصالحين.
ومن واقع مشاهدتي شخصياً رأيت تدفق أفواج من الزوار الإندونيسيين والآسيويين سنوياً لزيارة ضريح الامام محمد بن علي ” صاحب مرباط ” في ولاية مرباط ذو الرمزية الصوفية الكبيرة. واللافت ان هؤلاء يأتون بدافع ذاتي محض دون ان تستهدفهم حملة ترويجية واحدة، وهو ما يكشف ان السوق متعطش فعلا وان البنية الروحية قائمة وتنتظر فقط استراتيجية واضحة تعظم أثرها.
إن ربط خطوط الطيران الجديدة برحلات سياحية وثقافية مدروسة داخل السلطنة كفيل بتحول هذا التنوع الديني والتاريخي الى رافد حيوي يدعم الشركات السياحية الصغيرة والمتوسطة ويقدم للعالم نموذجاً عمانياً أصيلاً في الحفاوة والتعايش الإنساني.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة