مقال | حين تتقدّم عُمان إلى قلب الإنسان

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليست الأوطان خرائط تُرسم على اليابسة، ولا حدوداً تُصان بالحجارة وحدها، بل هي قبل ذلك قيمٌ تسكن الناس، فإذا نزلت الشدائد خرجت من القلوب كما يخرج الماء من عين الفلج، صافياً، عذباً، لا يسأل الأرض التي يسقيها، ولا الوجه الذي يستقبله.

وما شهده المجتمع العُماني في التفاعل مع حملة علاج الطفلين الشيدي والعجمي لم يكن حدثًا عابراً، ولا استجابةً عاطفية مؤقتة، بل كان انكشافاً لجوهر هذا الوطن. ففي لحظات قليلة، تلاشت المسافات بين الولايات، وغابت الفوارق بين القبائل والأسماء والمكانات، ولم يبقَ إلا اسم واحد.. الإنسان.

ذلك المشهد لم يكن سباقاً في جمع المال، وإنما كان سباقًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وتجسيداً لمعنى قوله سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. فالقرآن لم يرد من المؤمن أن يحسن فحسب، بل أن يجعل من إحسانه حياةً تمتد إلى غيره.

ولذلك، لم يكن إعلان التبرعات في هذا المقام خروجاً عن فضيلة الإخفاء، بل كان من جنس قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾. فهناك إعلانٌ يطلب الشهرة، وهناك إعلانٌ يصنع الثقة، ويوقظ الهمم، ويقول للناس: ما زال في الطريق متسعٌ للعطاء. وهكذا فعل الصحابة؛ حين جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه بماله كله، وحين جهز عثمان بن عفان رضي الله عنه جيش العسرة، لم يكن المقصود أن تُذكر الأسماء، وإنما أن تتحرك الأمة.

وهذا ما رأيناه في عُمان. لم يكن الناس يتابعون أسماء المتبرعين بقدر ما كانوا يترقبون اللحظة التي يُعلن فيها: اكتمل المبلغ. وكأن المجتمع كله كان يحمل الطفل بيديه، حتى لا يثقل المرض على جسده الصغير.

إنها ليست حملة علاج، بل درس في الاجتماع الإنساني. ففي هذا الوطن، ما زالت “الفزعة” تُولد قبل السؤال، وما زال التكافل يسير في الناس كما تسير الأفلاج في القرى؛ لا ضجيج لها، لكنها تمنح الحياة لكل من يمر بها. وما زالت المجالس العُمانية تُربي أبناءها على أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يمنح.

إن الأمم تُعرف عند الأزمات. وفي زمنٍ تتراجع فيه الروابط الاجتماعية في كثير من المجتمعات، كانت عُمان تقدم درسًا هاداً في معنى أن يكون المجتمع عائلةً واحدة. لم يكن أحد يسأل: من أي ولاية؟ . ومن أي قبيلة؟. بل كان السؤال الوحيد: كم بقي لننقذ حياة طفل؟.

ولعل أجمل ما في هذا المشهد أنه لم يُجمع المال فحسب، بل جمع القلوب أيضًا. وأعاد التذكير بأن الثروة الحقيقية ليست ما في الحسابات، وإنما ما في الضمائر؛ وأن المجتمع الذي يهبّ لإنقاذ طفل، إنما يحفظ إنسانيته قبل أن يحفظ حياة ذلك الطفل.

وهكذا، مرةً أخرى، أثبتت عُمان أن أعظم ما ورثته عبر تاريخها ليس السفن التي عبرت البحار، ولا القلاع التي صمدت على الجبال، بل ذلك الإرث الأخلاقي الذي يجعل الإنسان يشعر، كلما ضاقت به الدنيا، أن وراءه وطنًا كاملًا يقف معه.. حتى تنقشع الغمّة.

هذا المشهد لا يستحق أن يُقرأ بوصفه خبراً، بل بوصفه وثيقةً أخلاقية تؤكد أن المجتمع العُماني لا يزال يحتفظ بأجمل ما فيه؛ الرحمة حين تتحول إلى فعل، والتكافل حين يصبح هوية، والإنسان حين يكون القيمة العليا التي تلتقي عندها جميع الفوارق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*