تضم الولاية منطقة “حوجر” التي تنتج اجود أنواع اللبان على الاطلاق “اللبان الحوجري” النادر
سدح “ظفار” – د. عيسى العمري |
يا شوق وديني لها .. رائع جمال السدحية
اللي علينا غالية .. روحي لها سارية
أم الرواسي الذارية .. محلى وصوف النجدية
قبل أن ترسم خرائط السياحة الرقمية طريقها الى هناك وقبل أن تتزاحم عليها منصات التواصل بصورها وفيديوهاتها ،كانت أغنية ” ياشوق وديني لها ” بكلمات الشاعر سالم علي النقيب وصوت الفنان محمد حبريش تكفي وحدها لتوصل أرواح العاشقين الى ولاية سدح في ليالٍ ظفارية حين كان الغناء نفسه خريطة والشوق دليلاً لا يخطئ الطريق.

اليوم تجاوزت تلك الدعوة القديمة كونها لحناً يتناقله الرواة جيلاً بعد جيل، لتصبح البوصلة التي تشير الى ولاية اكتملت ملامح هويتها السياحية تقف بشموخ بين رواسي جبل سمحان وأمواج بحر العرب، على بعد 135 كم شرقاً من صلاله عبر الطريق الساحلي.
“سدح ” او كما يلقبها أهلها “درة الشرق ” ليست مجرد محطة عابرة على الطريق بل هي جغرافيا تلهم وتبهر بأكثر من 6000 الاف نسمة يتوزعون بين مركزها الرئيسي ونيابة “حاسك” ومركزي “حدبين” و “جوفا”. يحدها شمالا جبل سمحان الأشم وجنوبا بحر العرب بينما تتكامل غرباً مع مرباط وشرقاً مع شليم وجرز الحلانيات لتشكل لوحة طبيعية وتاريخية بكر لم تكشف اسرارها بعد.
من طريق اللبان الى دروب السياحة
لمن يقف امام ميناء سدح القديم يحمل المكان عبق اللبان، ففي ازمنة موغلة في القدم كانت الولاية محطة تجارية بالغة الأثر لتجميع اللبان وتصديره الى الهند والأسواق العالمية.

وميناء سدح وحاسك لم يكونا مجرد منافذ بحرية بل بوابتين لحضارة ارتبطت باللبان العماني الذي كان يعادل الذهب وزنا وقيمة. وتضم الولاية منطقة “حوجر” التي تنتج اجود أنواع اللبان على الاطلاق “اللبان الحوجري” النادر، مما يجعلها وجهة مثالية للسياحة الثقافية المرتبطة بطريق اللبان المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو .
هذا التاريخ الحي تجسده أيضا شواهد اثرية بارزة مثل مدينة المحلة الاثرية وبقايا “حضبرم” النادرة بالإضافة الى حصن سدح الشامخ في قلب المدينة بمساحته البالغة 152 م2 وارتفاعه البالغ 14م بطوابقه الثلاثة كذلك البيوت الاثرية القديمة كبيت الشيخ سالم عامر رويه المهري الذي بني عام 1932م. وفي بعد موازٍ، يمنح ضريح النبي صالح بن هود عليه السلام، الرابض على منحدر جبل “نوس” لزيادة بعداً روحياً يمزج التأمل بالإيمان والمكان .
طبيعة تسحر الأبصار

تقدم سدح لعشاق الطبيعة البكر لوحات نادرة لم تمسسها يد الاسمنت. ويتجلى ذلك في ” جبل ناطف ” بنيابة حاسك وهو ظاهرة بيئية مدهشة تتساقط قطرات الماء طول العام دون انقطاع، تمتد الاودية لتنحدر من جبل سمحان لتصب في البحر ، بدءا من وادي “شليون” بعينه العذبة الدائمة الجريان ووصولا الى وادي “ريكوت” الأوسع والأعمق الذي يحتضن عين “ريكوت ” وسط غابات النخيل و وادي “صيناق ” ببحيرته الزرقاء . وفي منطقة ” صوب ” يبرز وادي ” لشو ” .وشاطي “حات ” الساحرة التي تدمج الرمال الفضية بالصخور اللامعة لتكون المقصد الأمثل للعائلات وهاوة الصيد عند غروب الشمس .
اقتصاد أصيل

التنوع البيئي الفريد الذي تزخر به ولاية سدح انعكس على هوية الولاية الاقتصادية والثقافية، فسدح هي عاصمة الثروات البحرية حيث يمثل “الصفيلح ” ( الأبالون العماني ) وجراد البحر ” الشارخة” واسماك السردين عصب الحياة لأبنائها . وعلى الجانب الاخر تبرز الثروة الحيوانية في مرعى جبل سمحان الوفير الذي يضم محمية طبيعية على مساحة 4500 كم2 تحتضن تنوعا حيوانيا نادرا يشمل ” النمر العربي” والوعل النوبي وعشرات النباتات النادرة كشجرة دم الاخوين .
ولا تكتمل لوحة سدح دون موروثها البشري، اذ يبرع سكانها في حرف تقليدية كاستخراج اللبان وصناعة الاقفاص البحرية ودباغة الجلود وصناعة الفخار . وتنبض أسواقها وجبالها بفنون حية تجسد التنوع الثقافي، كالنانا ، الدبرارت ،الهبوت ، البرعة والرقصات البحرية المتنوعة .
الفعاليات والسياحة الشتوية

في خطوة استراتيجية ذكية خلال موسم الخريف الماضي، قررت الجهات المعنية في محافظة ظفار إعطاء الفرصة لأبناء الولايات لتنظيم فعاليات خريف ظفار وكانت ولاية سدح في مقدمة الولايات. لم يكن هذا القرار مجرد ترفيه او حلا لاكتظاظ السياح في صلالة بل سياسة تنموية أعادت رسم الخريطة السياحية وحركت الركود التجاري وأثبتت ان سدح تمتلك ميزة تنافسية كبرى. كذلك تتميز ولاية سدح بجو شتوي مميز اذ يحجب عنها موقعها الجغرافي الفريد الرياح الشمالية الجافة مما يمنحها مناخا دافئا ومعتدلا وشواطئ دافئة في الأشهر التي يبحث فيها السياح عن الدفء وهو ما يجعلها مكملا مثاليا يمنح محافظة ظفار وجهة سياحية قوية على مدار السنة.
وفي هذا السياق، تتجه الجهود الحكومية اليوم لتبني استراتيجية شاملة وتحديد مواقع مستهدفة للاستثمار السياحي في سدح وحدبين وحاسك. اليوم يبدو الطريق الى “درة الشرق” اكثر وضوحا من أي وقت مضى . المقومات حاضرة والتجارب السابقة اثبتت شغف الزوار وحفاوة الأبناء ، والجهات المعنية بدأت بالفعل في تحقيق التوازن السياحي المنشود . لقد كان نداء الشاعر النقيب اليافعي صادقا وحان الوقت لتكون “سدح ” هي الوجهة تسري لها الأرواح.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة