د. قاسم بن محمد الصالحي |
ليست الدبلوماسية العُمانية مجرد سياسة خارجية تُدار من خلف المكاتب، ولا هي سلسلة من المواقف العابرة التي تفرضها تقلبات اللحظة، وإنما هي مدرسة تشكلت عبر قرون من الإبحار في البحار المفتوحة، والتعامل مع الحضارات المختلفة، وإدارة المصالح المتقاطعة دون أن تفقد بوصلتها أو هويتها. فمن يقرأ تاريخ عُمان يدرك أن البحر لم يكن مجرد طريق للتجارة، بل كان معلماً للحكمة؛ يعلم البحّار أن الرياح لا تُقاوم دائماً، وإنما تُقرأ، وأن الوصول إلى الميناء يحتاج إلى حسن تقدير أكثر من حاجته إلى كثرة الأشرعة.
لهذا لم تكن الدولة العُمانية تنظر إلى الأزمات بوصفها ساحات لإثبات القوة، وإنما باعتبارها اختبارات لقدرة العقل على تحويل الصدام إلى تفاهم، والتنافس إلى توازن، والخلاف إلى مساحة للحوار. فالقوة في المفهوم العُماني لم تكن يومًا نقيض الحكمة، بل كانت الحكمة هي أعلى صور القوة.
ولعل أزمة الأعلام الفرنسية في عهد السلطان فيصل بن تركي تقدم مثالاً بليغاً على هذه المدرسة. فعلى الرغم من احتدام التنافس بين الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، لم تنجر عُمان إلى مواجهة لا تملك أدواتها، ولم تتخلَّ في الوقت نفسه عن سيادتها أو حقها.
اختارت أن تبدأ بالمذكرة، ثم بالحوار، ثم بالمساعي السياسية، ثم بالاحتكام إلى القانون الدولي، حتى انتهت القضية إلى التحكيم في لاهاي. كان ذلك درسًا مبكراً في أن الشرعية الدولية ليست بديلاً عن السيادة، وإنما إحدى أدوات حمايتها.
هذه المدرسة لم تبنِ فلسفتها على الانحياز للمحاور، وإنما على الانحياز للمصلحة الوطنية. فهي تدرك أن التحالفات تتغير، وأن موازين القوى تتبدل، أما الجغرافيا فتبقى، والجوار يبقى، والمصالح المستدامة لا تصنعها الانفعالات، بل تصنعها القدرة على بناء الثقة مع الجميع دون التفريط بالثوابت.
ولذلك تبدو الدبلوماسية العُمانية هادئة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها. فهي لا تبحث عن الأضواء بقدر ما تبحث عن النتائج، ولا تقيس النجاح بارتفاع نبرة الخطاب، وإنما بقدر ما تمنع من اندلاع الحروب، وما تفتحه من أبواب للحوار، وما تحققه من استقرار ينعكس على الإنسان قبل الدولة.
وفي عالم تتسارع فيه الأزمات، وتتصاعد فيه لغة الاستقطاب، تبدو هذه المدرسة أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالحكمة ليست حيادًا سلبياً، بل هي فن إدارة المصالح وسط العواصف، والحوار ليس تنازلاً، بل وسيلة لحماية الحقوق، والصبر الاستراتيجي ليس ترددًا، بل إدراك بأن بعض القضايا لا يحسمها ضجيج اللحظة، وإنما يحسمها تراكم الزمن.
إن المدرسة الدبلوماسية العُمانية لم تكتسب مكانتها لأنها كانت الأعلى صوتاً، وإنما لأنها كانت الأكثر اتزاناً. وهي بذلك تقدم نموذجا
يؤكد أن الدول الصغيرة بحجمها الجغرافي تستطيع أن تكون كبيرة بأثرها السياسي، إذا امتلكت وضوح الرؤية، وثبات المبدأ، ومرونة الوسيلة، وإيمانًا بأن بناء السلام أصعب من صناعة الحرب، لكنه أبقى أثرًا في التاريخ.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة