مقال | حين تتحدث الجنازات بلغة الأمم

د. قاسم بن محمد الصالحي

ليست الجنازات الكبرى محطات للوداع فحسب، بل لحظات تكتب فيها الأمم شياً من سيرتها. ففي تلك المسافات الممتدة بين النعش والحشود، لا يتحرك الناس بأقدامهم فقط، بل تتحرك معهم الذاكرة، والهوية، والإحساس بالكرامة، وما تراكم في الوجدان من معانٍ تتجاوز حدود اللحظة.

لقد جاء مشهد تشييع آية الله علي خامنئي ليؤكد، مرة أخرى، أن الأحداث المفصلية لا تُقرأ بعدد المشاركين فيها بقدر ما تُقرأ بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي. فحين تمتلئ الشوارع بالناس، فإن المشهد يغدو نصًا سياسياً واجتماعياً وإنسانياً مفتوحاً على قراءات متعددة، لكنه يحمل رسالة يصعب تجاهلها: أن الشعوب، حين تشعر بأن كرامتها قد مُسّت، كثيراً ما تتجاوز خلافاتها الداخلية لتلتف حول فكرة الوطن وسيادته ورموزه.

ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن التاريخ لا يكاد يقدم مثالاً على أن اغتيال القادة أو تدمير المدن كان طريقاً مستدامًا لصناعة السلام. فقد تستطيع القوة أن تُحدث تفوقاً عسكريًاً، لكنها كثيراً ما تُوقظ في المقابل طاقات الصمود، وتستنهض في الأمم دوافع البقاء، وتجعل من الألم عنصرًا جديدًا في إعادة تشكيل الهوية الوطنية. وما يُظن أنه نهاية لمسار، قد يصبح بداية لمسار آخر أكثر رسوخاً وأشد تماسكاً.

وهنا تكمن الحكمة التي كثيراً ما تغيب في أوقات النزاعات؛ فاستهداف الإنسان لا ينهي الفكرة، واستباحة الأرض لا تُنتج استقراراً، وإسكات صوتٍ بالقوة لا يعني إسكات التاريخ. بل إن الشعوب التي تُختبر في كرامتها كثيراً ما تكتشف في محنتها أسباباً جديدة للتماسك، وتمنح رموزها، بعد رحيلهم، حضورًا قد يكون أعمق من حضورهم في حياتهم.

ومن هذا المنطلق، فإن العدالة الإنسانية ليست شعاراً يُرفع حين يخدم المواقف، بل قيمة تُقاس بقدرتنا على صون الإنسان، أيّاً كان موقعه أو انتماؤه. فالدم الإنساني لا ينبغي أن يكون أداةً في إدارة الخلافات، ولا يجوز أن يصبح اغتيال القادة أو تدمير الأوطان وسيلةً لإعادة رسم الخرائط أو فرض الإرادات.

إن العالم، وهو يزداد امتلاكًا لأدوات القوة، يبدو أحوج من أي وقت مضى إلى امتلاك حكمة الحوار. فالحوار قد يكون بطياً، وقد يكون شاقًا، لكنه وحده القادر على صناعة سلام يبقى. أما القوة، مهما بلغت دقتها، فإنها كثيرًا ما تنتصر في الميدان، لكنها تخسر في وجدان الشعوب.

ولعل هذا هو الدرس الذي تهمس به الجنازات الكبرى عبر التاريخ: أن الكرامة لا تُقصف، وأن الانتماء لا يُغتال، وأن الأمم لا تُبنى على أنقاض الإنسان، بل تُبنى حين يُصان الإنسان، وتُحترم إرادته، ويُفتح للخلاف باب الحوار قبل أن تُفتح له أبواب الحرب. فالحضارات لم يخلدها ما امتلكته من سلاح، وإنما ما أنتجته من عدالة، وما أرسته من تفاهم، وما تركته للأجيال من إيمان بأن الكلمة، في نهاية المطاف، أبقى أثراً من الرصاصة، وأن المصافحة أبعد عمراً من صوت الانفجار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*