مقال | ما بين الشهادة والفرصة

د. قاسم بن محمد الصالحي |

حين يقال للخريج، بعد ستة عشر أو ثمانية عشر عاماً من الدراسة، إن عليه أن يكتسب المهارات قبل أن يصبح مؤهلاً للعمل، فإن السؤال لا ينبغي أن يتجه إليه وحده، بل إلى الطريق الطويل الذي سار فيه حتى وصل إلى تلك اللحظة.

فالسنوات التي استثمرها الوطن في تعليم أبنائه لم تكن مجرد رحلة نحو شهادة، وإنما مشروع لبناء الإنسان؛ علماً، ومهارة، وقيماً، وقدرة على المشاركة في التنمية. وإذا كانت المهارة اليوم هي مفتاح الدخول إلى سوق العمل، فمن الطبيعي أن تكون جزءاً أصيلاً من منظومة التعليم، لا عبئاً يواجهه الخريج بعد أن يغادر مقاعد الدراسة.

ولا يبدو من الإنصاف أن تتحول فجوة المهارات إلى مسؤولية فردية، بينما تتكرر الملاحظات ذاتها في مختلف القطاعات. ففي علم الإدارة العامة، عندما تتكرر المشكلة على نطاق واسع، فإنها لا تُقرأ بوصفها إخفاقاً فردياً، بل باعتبارها مؤشراً على حاجة المنظومة إلى مراجعة أدواتها وآليات التنسيق بين مؤسساتها.

وهنا لا يتعلق الأمر بالبحث عن جهة تتحمل المسؤولية، بقدر ما يتعلق بإعادة بناء التكامل بين التعليم، ووزارة العمل، والقطاع الخاص، ومؤسسات التخطيط. فلكل طرف وظيفة رسمها القانون، ولا تؤتي هذه الوظائف ثمارها إلا إذا التقت في هدف واحد: إعداد المواطن للحياة العملية قبل أن يطرق بابها، لا بعد أن يقف أمامها.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الجامعات الأكثر نجاحاً ليست تلك التي تمنح أكبر عدد من الشهادات، بل تلك التي تجعل بيئة العمل امتداداً طبيعياً للقاعة الدراسية، من خلال التدريب، والشراكات، والتحديث المستمر للمناهج، وقياس الكفايات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، لا الاكتفاء بقياس التحصيل الأكاديمي.

وفي عُمان، حيث ظل الإنسان محور النهضة منذ بواكيرها، فإن هذا النقاش ينبغي أن يبقى في إطاره الوطني الهادئ، بعيداً عن لغة الاتهام، وقريباً من ثقافة الحوار التي تميز المجتمع العُماني. فالمؤسسات لا تُراجع لأنها أخفقت، وإنما لأنها تؤمن بأن التطوير قيمة مستمرة، وأن جودة المخرجات مسؤولية جماعية تتجدد مع تغير احتياجات التنمية.

إن الشهادة تبقى شاهداً على ما تعلمه الإنسان، أما المهارة فهي شاهد على قدرة المنظومة على تحويل المعرفة إلى ممارسة. وعندما يلتقي الشاهدان، لا يعود الخريج يبحث عن فرصة فحسب، بل يصبح هو نفسه فرصة لوطنه، وقيمة مضافة لمسيرة تنميته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*