مقال | بين ضجيج الإقليم وصمت الحكمة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمنٍ تتزاحم فيه الأخبار كما تتزاحم الأمواج في بحرٍ مضطرب، يصبح الوعي هو المرساة التي تحفظ توازن الإنسان والمجتمع معاً. فالمشهد الإقليمي اليوم لا يُقرأ بسطحية، ولا يُفهم من عنوانٍ عابر، بل هو تراكمٌ من رواياتٍ متداخلة، لكلٍ منها غايته، ولكلٍ منها أثره على العقول قبل الوقائع.

وليس كل ما يُبث يُراد به الإخبار، فثمة خطابٌ يُصاغ ليُوجّه، وأخبارٌ تُنشر لتُحرّك، وتحليلاتٌ تُقدَّم لتصنع موقفاً قبل أن تُفسّر حدثاً. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على وعيٍ مستقل، لا يُستدرج، ولا يتحول إلى صدى لغيره.

المجتمع العماني، في عمقه التاريخي، لم يكن يوماً تابعاً للضجيج، بل كان أقرب إلى التأمل منه إلى الانفعال. هذا الإرث من الحكمة ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل هو منهجٌ يُستدعى في لحظات التوتر، حيث يصبح التريث قوة، والاتزان موقفاً، لا تردداً.

إن ضبط الوعي لا يعني الانعزال عن العالم، بل يعني التفاعل معه بوعيٍ وانتقاء. أن نسأل قبل أن نُسلّم، وأن نُدرك أن ما يصل إلينا ليس بالضرورة كامل الصورة. فالعاطفة حين تُستثار بلا وعي، قد تدفع إلى مواقف لا تخدم صاحبها، بينما العقل حين يتأنى، يصنع رؤية أكثر ثباتاً.

وفي ظل هذه التحولات، يبقى الثابت هو الوطن. استقراره ليس نتيجة ظرفٍ عابر، بل حصيلة نهجٍ قائم على التعقل والتوازن. والحفاظ عليه مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الفرد، وتمتد إلى سلوك المجتمع بأكمله.

ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من القلق، بل مزيداً من الفهم. فبين ضجيج الإقليم، يظل صمت الحكمة هو الخيار الأجدر بالاتباع؛ صمتٌ لا يعني الغياب، بل حضورٌ واعٍ يُحسن القراءة، ويُجيد الاختيار، ويحفظ للوطن سكينته في زمن العواصف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*