مقال | جهاز الاستثمار العُماني في اختبار المرحلة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في عالمٍ لم تعد فيه الأرقام مجرد نتائج، بل أدوات نفوذ، يقدّم جهاز الاستثمار العُماني نموذجاً لاقتصادٍ يحاول أن يتماسك في قلب العاصفة. أرباح تقترب من ثلاثة مليارات ريال، وعائد بنسبة 14.6%، ليست مجرد إنجاز مالي، بل مؤشر على قدرة مؤسسية على قراءة التحولات، والتكيّف معها دون أن تفقد البوصلة.

غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم العائد، بل في اتجاهه. فحين تتجه 61% من الاستثمارات إلى الداخل، فإن الرسالة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة: بناء مناعة وطنية في وجه تقلبات الخارج. هنا، يصبح الاستثمار أداة سيادة، لا مجرد أداة ربح.

لكن المشهد لا يخلو من التحدي. فالعالم يتغير بوتيرة تتجاوز النماذج التقليدية؛ التكنولوجيا تعيد تعريف القيمة، وسلاسل الإمداد تُعاد صياغتها، ورأس المال لم يعد كافيًا ما لم يُترجم إلى معرفة وإنتاج. من هنا، يصبح السؤال: هل تنجح هذه الأرقام في 

خلق اقتصاد منتج، أم تبقى حبيسة التقارير؟.

اللافت أن الجهاز أظهر نضجاً في إدارة دورة الاستثمار، عبر تخارجات تجاوزت 2.8 مليار ريال. هذه ليست انسحابات، بل إعادة تموضع ذكية، تعكس فهماً أن القوة ليست في الامتلاك، بل في التوقيت.

ومع رفد الميزانية العامة بـ800 مليون ريال، يبرز دور الجهاز كصمام أمان مالي، لكن دون أن يُفترض أن يتحول إلى بديل عن الإصلاح الاقتصادي العميق. فالتحدي الحقيقي ليس في دعم الحاضر، بل في صناعة المستقبل.

بين الرؤية والمأمول، يقف جهاز الاستثمار العُماني أمام لحظة مفصلية: إما أن يظل مديراً ناجحاً للأصول، أو أن يتحول إلى مهندسٍ لاقتصادٍ جديد، أكثر تنوعًا، وأكثر قدرة على الصمود.

في زمن التحولات الكبرى، لا تُقاس النجاحات بما تحقق.. بل بما يمكن أن تُحدثه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*