د. قاسم بن محمد الصالحي|
الحمد لله رب العالمين، الذي يهب الحياة كما يهب المطر، بلا ضجيج، وبلا استعراض، ويترك أثره في العمق لا على السطح، مولودةٌ جديدة جاءت إلى الدنيا، صغيرة كدعاءٍ خرج للتو من القلب، وكبيرة بما تحمله من معنى: بداية، واستمرار، وأمانة.
في مثل هذه اللحظات، لا تكون الفرحة حدثاً عابراً، بل اختباراً صامتاً لقيمنا: كيف نفرح؟. وكيف نُفرِح؟. وبأي لغة نُعبّر عن محبتنا؟.
صارت الورود، في أيامنا، تتقدم الصفوف، باقات مترفة، مغلفة بعناية، مرفقة ببطاقات لامعة، تحمل أسماءنا أكثر مما تحمل مشاعرنا، نشتريها بسخاء، ونقدمها بثقة، ثم نغادر مطمئنين أننا “أدينا الواجب”. لكن، بعد أيام قليلة، تذبل الورود. يصفرّ لونها، تنكسر أعناقها، وتُحمل – بلا نية سيئة – إلى سلة المهملات، وهنا، لا تُرمى الورود وحدها.. بل يُرمى معها شيء من المعنى.
ليس الألم في المال المدفوع، بل في السؤال الذي لا نطرحه: ماذا بقي من الهدية بعد أن ذبلت؟ نعم، قد يقول قائل: “هذه ذائقتنا الجديدة”، وقد يقول آخر: “هذا من مظاهر الفرح”، لكن القلب، حين يكون صادقًا، يعرف أن الفرح لا يُقاس بما يُرى، بل بما يُشعر، وأن الهدية، إن لم تُخفف، لم تُصب هدفها.
نحن أبناء مجتمعٍ لم تُبنَ أفراحه على الزينة، بل على المشاركة، مجتمعٍ إذا وُلد فيه طفل، وُلد معه شعور جماعي بالمسؤولية، كانت الجارات يتقاسمن التعب قبل أن يتقاسمن التهاني، وكان الأقارب يضعون أيديهم حيث الحاجة، لا حيث الصورة، كان العطاء عندنا فعل ستر، لا فعل استعراض، وكانت الهدية تُقال همساً: “هذا يعينك”، لا “انظري ماذا قدمت”، وكانت النية أكبر من الهدية نفسها.
اليوم، صرنا نقلد دون أن نسأل: نقلد لأن “هكذا يفعلون”، ولأن الصورة جميلة، ولأن العادة انتشرت حتى صارت معياراً اجتماعياً، لكن أي عادة هذه، التي تنتهي في سلة المهملات؟. وأي فرح هذا، الذي لا يترك أثراً إلا في الذاكرة المؤقتة؟ خمسمائة ريال تُدفع في ورد، كان يمكن أن تتحول إلى حليب لطفل، أو حفاضات لأيامٍ طويلة، أو دواء، أو راحة نفسية لأمٍ في بداية طريقٍ مرهق، كان يمكن أن تكون الهدية امتدادًا للرحمة، لا زينة مؤقتة لها.
ما أجمل أن تكون الهدية نيةً مضاعفة: نية فرح، ونية صدقة، نية مشاركة، ونية شكر لله على النعمة، فالصدقة، كما تعلمنا، لا تذهب هباءً، بل ترفع البلاء، وتبارك المال، وتُطيل أثر الفرح حتى بعد أن تنتهي المناسبة، لسنا ضد الورود، ولا ضد الجمال، لكننا مع الحكمة حين ترافق الجمال، مع أن يكون للهدية معنى يعيش أطول من عمر الزهرة، مع أن يشعر صاحب الفرح أن المجتمع حوله لم يأتِ ليبارك فقط، بل ليُساند، الأم الجديدة لا تحتاج ورداً بقدر ما تحتاج طمأنينة، لا تحتاج ألوانًا زاهية، بقدر ما تحتاج من يقول لها: “لسنا بعيدين”، تحتاج فعلًا يبقى، لا منظراً يزول.
ربما يقال: “أنت لا تفهم هذه العادات”، وربما يقال: “هذا زمن آخر”، لكن القيم لا تشيخ، والرحمة لا تخرج من الموضة، والتكافل لا يصبح قديماً مهما تغيرت الأزمنة، فلنُعيد التفكير، لا لنهدم العادة، بل لنُهذبها.
لنجعل الفرح أعمق من شكله، والهدية أصدق من ثمنها، والنية أوضح من التغليف، لنجعل أفراحنا أبواباً للخير، ومناسباتنا جسوراً للرحمة، وهدايانا شواهد على أننا ما زلنا نعرف معنى “أن نكون معاً”، أما الورود، فأجملها ما زهر في القلب، وأبقاها ما تحول إلى عطاء، وأصدقها ما قُدم بنية صادقة، فهذا لا يذبل.. ولا يُرمى.. ولا يُنسى.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة