مقال| حين يصبح السؤال فعلَ شراكة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لم يكن اللقاء المفتوح بين الشباب وأعضاء مجلس الوزراء، الذي رعاه صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم، مجرد فعالية حوارية تُضاف إلى سجل الأنشطة الرسمية، بل لحظة كاشفة عن تحوّل أعمق في العلاقة بين الدولة وجيلها الصاعد، لحظة خرج فيها السؤال من كونه طلبًا فرديًا أو شكوى مؤجلة، ليغدو تعبيراً عن وعيٍ يتشكل، وشراكةٍ تُختبر، ومسؤوليةٍ تتوزع على طرفي المعادلة الوطنية.

في مثل هذه اللقاءات، لا تُقاس القيمة بعدد المتحدثين أو بطول المداخلات، بل بنوعية الأسئلة التي تُطرح، وبالمنطق الذي يقف خلفها. وحين تسأل شابةٌ ما تزال على مقاعد الدراسة وزيرَ الاقتصاد عن آليات معالجة ملف الباحثين عن عمل، مؤكدةً أنها ليست واحدةً من هذه الفئة، فإن السؤال يتجاوز ذاته، هو ليس سؤالاً عن وظيفة محتملة، بل عن مسار مجتمع، وعن اختلالات قد لا تمسّها اليوم، لكنها تستشعر إرهاصاتها مبكراً، هنا، يتجلى المعنى الحقيقي للوعي الشبابي: أن ترى المشكلة قبل أن تقع عليك، وأن تقلق من أثرها العام لا من كلفتها الخاصة.

أولى إيجابيات هذا اللقاء أنه أعاد الاعتبار لفكرة الحوار بوصفه أداة حكم، لا مجرد مساحة استماع، فأن يجلس الشاب وجهاً لوجه مع صانع القرار، وأن يُطرح السؤال في فضاء مفتوح دون وسائط أو تلطيف، هو كسرٌ واعٍ للمسافة النفسية بين الطرفين، الدولة، في هذه اللحظة، لا تتحدث من علٍ، والشباب لا ينصتون من أسفل، بل يلتقي الطرفان على مستوى التفكير في التحدي، وإن اختلفت زوايا الرؤية.

الإيجابية الثانية تتمثل في الصورة التي كشف عنها اللقاء للوعي الشبابي العُماني، وعيٌ لم يعد أسير الخطاب العاطفي أو المطالب الآنية، بل يتجه نحو فهم البُنى الاقتصادية والاجتماعية، وربط التعليم بسوق العمل، والتنبه للتحولات القادمة، الأسئلة التي طُرحت لم تكن حادة أو صدامية، لكنها كانت دقيقة، قلقة، ومحمّلة بإدراك أن التحديات لا تُحل بالشعارات، بل بسياسات متكاملة وطويلة النفس، وهذا النضج في الطرح مؤشر صحة، لا مصدر قلق.

أما الإيجابية الثالثة، فهي الأثر النفسي والسياسي لمثل هذا اللقاء، حين يشعر الشاب أن سؤاله مسموع، وأن حضوره معترف به، تتراجع فجوة الريبة، ويحل محلها إحساس بالمسؤولية المشتركة. فالمشاركة في النقاش تولّد تلقائيًا مشاركة في تحمّل النتائج، وتحوّل الشاب من متلقٍ للسياسات إلى شريك في فهم منطقها، وإن اختلف معها.

ولا يمكن فصل هذه الدلالات عن رعاية صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم لهذا اللقاء، فالرعاية هنا ليست رمزية، بل تحمل رسالة واضحة مفادها أن تمكين الشباب لا يُختزل في المبادرات والبرامج، بل يبدأ من إشراكهم في التفكير، ومنحهم الثقة بأن السؤال ليس خروجًا عن الصف، بل جزء من صيانة المسار، أن يُدار الحوار بهدوء واتزان، وأن يُفتح المجال للأسئلة الجادة، هو تأسيس لثقافة سياسية صحية، لا تخشى النقاش ولا تضيق بالقلق المشروع.

في المحصلة، لم يكن السؤال عن الباحثين عن عمل مداخلة عابرة ضمن لقاء، بل علامة على تحوّل أعمق في الوعي الجمعي: شبابٌ لا ينتظر الأزمة ليعبّر، ولا يحصر اهتمامه في دائرته الضيقة، بل يقرأ الإشارات الأولى، ويسأل من موقع الحرص لا الاتهام، وهذا، في ميزان الدول، ليس تفصيلًا ثانوياً، بل أحد أهم مؤشرات السلامة الاستراتيجية للمجتمع، ودليل على أن المستقبل لا يُدار فقط بالقرارات، بل يُبنى بالوعي الذي يسبقها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*