مقال | حين تحدّث البحر عن عُمان

د. قاسم بن محمد الصالحي |

قال لي شيخٌ من أهل البحر ذات مساء، ونحن نراقب الشمس وهي تغيب خلف صفحة الماء: “يا بُني، إذا أردت أن تعرف عُمان، فلا تبدأ من الجبل، ولا من القلعة، ولا من الطريق.. ابدأ من البحر.”

صمتُ قليلاً، ثم سألته: وكيف يعرف البحر وطناً؟.

ابتسم، وقال: “لأن البحر لا يكذب.”

ثم أخذ يحكي..

قال إن سفينةً صينية رست يوماً على شاطئ عُماني، ولم يكن على الرصيف من يسألها عن مذهبها أو قوميتها، بل كان السؤال الأول: هل أنهككم السفر؟ ثم جاءت سفن الهند، ثم مراكب شرق أفريقيا، ثم سفن الخليج وفارس، ثم البوم والسمبوك والغنجة، وكلها كانت تجد في الموانئ العُمانية مكاناً للرسو، وفي أهلها وجوهاً تعرف أن الضيف رزق، وأن التجارة عهد، وأن الكلمة دين.

قال الشيخ: “كانت عُمان تعرف أن البحر لا يحتفظ بشيء لنفسه، ولذلك لم تحتفظ بالخير لنفسها.”

ظل كلامه يرافقني سنوات. كلما سافرت إلى بلد، أو جلست إلى دبلوماسي، أو التقيت ببحار، اكتشفت أن كثيرين يعرفون عُمان، وإن لم يزوروها. يعرفونها من قصة تاجر لم يغش، أو قبطان أعاد أمانة، أو طبيب أحسن إلى مريض، أو سفير اختار الحوار حين كان غيره يختار الخصومة.

عندها أدركت أن الأوطان لا تُعرَّف بمساحتها، وإنما بأثرها.

وعُمان، منذ أن فتحت نوافذها على البحر، لم تكن تبحث عن إمبراطورية، بل عن جسر. لم يكن همها أن تُكثر الخصوم، بل أن تُكثر الأصدقاء. ولهذا بقي اسمها، عبر القرون، مقترناً بالمرافئ الآمنة، والكلمة الصادقة، واليد الممدودة، والباب الذي لا يُغلق في وجه العابر.

ولعل أجمل ما في عُمان أنها لم تغيّر أخلاقها كلما تغيّر العالم. تبدلت السفن، من البوم إلى الحاويات العملاقة، وتغيرت البضائع، من اللبان والنحاس إلى النفط والغاز والبيانات، لكن المبدأ بقي كما هو: أن الطريق الآمن خير من الطريق المغلق، وأن الحوار أبقى من الصدام، وأن احترام الإنسان هو الاستثمار الذي لا يخسر.

ذلك الشيخ لم يكن يعلمني تاريخ البحر فحسب، بل كان يعلمني معنى الوطن.

ولهذا، كلما سألني أحدهم: كيف تعرّف عُمان؟. لا أبحث عن إجابة في الكتب، بل أستعيد صوت ذلك البحار العجوز وهو يقول: “البحر لا يكذب.”

وأضيف في سري: وكذلك عُمان.. فمن عرفها عن قرب، عرف أن قوتها لم تكن يوماً في ارتفاع أمواجها، بل في عمق قيمها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*