د. ناصر بن علي الجهوري|
تُعد السياحة اليوم من أكثر القطاعات قدرة على توليد قيمة مضافة مستدامة. وفي سلطنة عُمان، تتشكل فرصة استراتيجية لإعادة تعريف السياحة باعتبارها صناعة إنتاجية متكاملة، تنسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
لقد نجحت عُمان في السنوات الأخيرة في ترسيخ موقعها كوجهة سياحية تتميز بالهدوء والأصالة والتنوع الطبيعي والثقافي. غير أن التحدي الأعمق لا يكمن في عدد الزوار، بل في تحويلهم إلى قيمة اقتصادية مستدامة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تتحول السياحة فعلاً إلى محرك إنتاج، أم تبقى نشاطاً محدود الأثر؟.
إن التحول نحو السياحة المستدامة يبدأ من إعادة صياغة فلسفة الترويج السياحي ذاتها؛ من تسويق المكان إلى تصميم التجربة. فالسائح المعاصر لم يعد يبحث عن وجهة بقدر ما يبحث عن قصة يعيشها، وتجربة يتفاعل معها، وذاكرة يحملها معه. وهذا ما يجعل مفهوم سلاسل القيمة السياحية محوراً أساسياً، حيث تبدأ التجربة من لحظة التخطيط للزيارة، وتمتد إلى الإقامة، وتستمر حتى ما بعد العودة كسفير غير مباشر للمكان.
في هذا الإطار، تُظهر التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في السياحة المستدامة هي تلك التي حولت مواردها الطبيعية والثقافية إلى منظومات إنتاج متكاملة.
ومن هنا، فإن الأودية والجبال والسواحل والقرى التراثية في عُمان تمثل أصولاً اقتصادية كامنة قابلة للتحول إلى وجهات متكاملة. فالوادي يمكن أن يصبح منظومة سياحية متكاملة تضم مسارات بيئية، وتجارب مغامرة، ومنتجات محلية، ونُزل بيئية تعكس روح المكان. كما يمكن للقرية العُمانية أن تتحول إلى مختبر حي للثقافة والهوية، حيث يعيش الزائر التجربة التراثية لا كمشاهدة عابرة، بل كمشاركة فاعلة.
إن خصوصية النموذج العُماني تفرض مساراً مختلفاً عن الاستنساخ السياحي العالمي؛ فهو نموذج يقوم على التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الهوية. وبالتالي، فإن السياحة المستدامة في عُمان يجب أن تُبنى على عدة محاور استراتيجية: تطوير كيانات متخصصة، وتصميم تجارب قائمة على الهوية، وتمكين المجتمع المحلي، وتعزيز التكامل القطاعي، وبناء منظومة قياس متكاملة.
إن التجربة الدولية تؤكد أن القيمة الحقيقية للسياحة لا تُقاس بعدد الزوار، بل بعمق أثرها في الاقتصاد المحلي. فالسائح يمكن أن يتحول إلى وحدة اقتصادية متحركة إذا ما تم تصميم تجربته بذكاء، وربط إنفاقه بالمنتج المحلي، وتحفيز بقائه مدة أطول، وزيادة تفاعله مع المجتمع.
إننا أمام فرصة استراتيجية لإعادة تموضع القطاع السياحي في عُمان، بحيث ينتقل من كونه قطاع عرض إلى قطاع إنتاج، ومن مجرد وجهة جميلة إلى منظومة خلق قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة. فالسياحة ليست ما نملكه من طبيعة ومواقع، بل ما نصنعه من تجربة، وما نخلقه من أثر، وما نتركه من قيمة للأجيال القادمة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة