مقال | لماذا نحتاج هيئةً محايدة لتقييم الأداء الحكومي؟.

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في العمل الحكومي، لا يكمن التحدي الحقيقي في نقص الجهود، بل في طريقة النظر إليها وتقدير أثرها. فحين تُكلَّف الوزارة أو المؤسسة بالتنفيذ، ثم تُطالب في الوقت ذاته بتقييم ذاتها، ينشأ خلل بنيوي هادئ، لا يُرى بسهولة، لكنه يتراكم أثراً على جودة الخدمة وثقة المجتمع. ذلك أن الحكم، مهما حسنت نواياه، يصعب عليه أن يكون خصماً عادلاً لنفسه.

التقييم ليس إدانة، بل معرفة. هو محاولة صادقة للإجابة عن سؤال جوهري: هل ما نفعله يحقق الغاية العامة، أم يكتفي بإثبات الإنجاز الشكلي؟. هذا السؤال يفقد كثيراً من معناه حين يُطرح داخل الدائرة نفسها التي صنعت القرار ونفذته ودافعت عنه.

من هنا، تبدو فكرة إيجاد هيئة محايدة لتقييم الوزارات والمؤسسات الحكومية طلباً وجيهاً، لا تشكيكاً ولا ترفاً إدارياً. إنها خطوة طبيعية في مسار الدولة التي ترغب في أن ترى أداءها كما هو، لا كما تحب أن يُكتب عنها. هيئة لا تحمل سلطة تنفيذ، بل تملك ميزاناً مهنئاً يقيس الأثر، والكفاءة، وعدالة الخدمة، بعيداً عن المجاملة أو التبرير.

وجود هذه الهيئة لا يهدف إلى تضخيم الرقابة، بل إلى ترشيدها. فهي تكشف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة، وتحوّل رضا طالب الخدمة من رقم في استبيان إلى مؤشر يُفهم في سياقه: هل رُفض طلبه بعدالة؟. هل قُبل بمعيار واضح؟. وهل خرج فاهماً ومحترماً، حتى إن لم تتحقق له النتيجة؟.

الرضا الحقيقي لا يولد من السرعة وحدها، بل من الشفافية والاتساق. والشفافية لا تكتمل دون جهة مستقلة تقول للمؤسسة: هنا أحسنتِ لأنك أنصفتِ، وهنا أخفقتِ لأنك حيّدتِ المعيار.

إن الهيئة المحايدة ليست عبئاً جديداً، بل صمام أمان هادئ. فالدول لا تُقاس بكثرة ما تُنجز، بل بقدرتها على مراجعة نفسها بصدق، لأن الثقة العامة لا تُبنى بالخطاب، بل بميزانٍ عادلٍ يراه الجميع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*