مقال | مثقلٌ بالمطر والثلج والبرد.. وعالمٌ ملتهب

د. قاسم بن محمد الصالحي|

يأتي الشتاء هذا العام مثقلاً بالمطر والثلج والبرد، لا بوصفه فصلاً عابراً من فصول الطبيعة، بل كعلامة كثيفة الدلالة. بردٌ يبطئ الإيقاع، وثلجٌ يجمّد الملامح، ومطرٌ لا يكتفي بالغسل، بل يطرق الأسئلة المؤجلة طرقًا متواصلًا. كأن الطبيعة، في صمتها العميق، تمارس فعل التهيئة لما هو أبعد من الطقس، لما يشبه لحظات التحول الكبرى في التاريخ.

وفي الجهة الأخرى من المشهد، يقف العالم ملتهبًا. ليس احتراقاً واحداً يمكن احتواؤه، بل حرائق متزامنة في السياسة والاقتصاد والمفاهيم. صراعات تتسع، ونظم دولية تترنح، وقيم كانت تُقدَّم بوصفها مسلّمات أخلاقية، فإذا بها أوراق تفاوض قابلة للحرق. بردٌ في المناخ، وجليدٌ في المواقف، وحرارة فائقة في خرائط النفوذ.. مفارقة تختصر روح المرحلة.

ما نعيشه اليوم ليس زمن أحداث، بل زمن تحولات. والفرق بينهما جوهري. الحدث يُشاهَد ويُفسَّر وينتهي، أما التحول فيتسلل، يعمل في العمق، ويعيد تشكيل البنية لا الواجهة. إنه يشبه هذا الشتاء الثقيل: لا ضجيج فيه، لكنه يفرض إيقاعه على كل شيء. من يسيء قراءة التحولات، قد يظن السكون سلامًا، أو يخلط بين التريث والعجز.

العالم يحترق لأن أدواته لم تعد متناسبة مع واقعه. فائض قوة بلا حكمة، وفائض خطاب بلا معنى، وفائض خوف يولد قرارات متسرعة. في مثل هذه اللحظات، تميل القوى الكبرى إلى اختبار حدودها، وتميل الدول الصغيرة إلى الارتهان أو القلق. غير أن التاريخ لا يكافئ الحجم وحده، بل يكافئ الفهم.

من النظرة العُمانية، يُقرأ هذا المشهد بعين مختلفة. عين تشكلت على حافة بحر مفتوح، وصحراء واسعة، وممرات تاريخية علّمت أهلها أن البقاء ليس في الصدام الدائم، بل في حسن التموقع. عُمان لم تكن يوماً دولة ضجيج، ولا دولة اندفاع، بل دولة قراءة عميقة للزمن. تعرف أن العاصفة لا تُلعن، بل تُدار، وأن البحر لا يُقاوَم، بل يُبحَر.

في زمن التحول، تصبح الحكمة موقفاً، لا شعاراً. والحياد، حين يكون نابعًا من فهم لا من خوف، يتحول إلى قوة ناعمة قادرة على التأثير أكثر مما تفعل الانحيازات الصاخبة. ليس مطلوبًا من الجميع أن يكونوا جزءًا من الحريق، بل أن يكون بعضهم مساحة عاقلة تمنع امتداده.

شتاء البرد هذا ليس قسوة، بل فرصة. فالبرودة تُصفّي الرؤية، وتُبطئ الخطى بما يكفي لمراجعة الاتجاه. كذلك تفعل التحولات الكبرى؛ تُجبر الدول والمجتمعات على إعادة طرح الأسئلة الأولى: من نحن؟. وأين نقف؟. وما الذي نريده فعلاً من هذا العالم المتغير؟.

العالم اليوم يبحث عن توازن جديد، لكنه يحاول الوصول إليه بعقليات قديمة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فحين تُدار التحولات بأدوات الأمس، يصبح المستقبل ساحة ارتباك. وحدها الدول التي تستثمر في الوعي قبل السلاح، وفي المعنى قبل الخطاب، تستطيع العبور بأقل الخسائر.

مثقلٌ بالمطر والثلج والبرد.. وعالمٌ ملتهب.

بين البرودة والاحتراق، تقف عُمان في المسافة الأخلاقية الصعبة: لا تنكر اشتعال العالم، ولا تنجرف في ناره. تؤمن أن بعد كل احتراق، لا بد من تربة صالحة لزرع جديد، وأن التاريخ، مهما اشتد، يفتح أبوابه لمن أحسن قراءة التحول وانتظره بعقل بارد.. وقلب يقظ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*