د. قاسم بن محمد الصالحي|
في زمن التحولات الدولية المتسارعة، تبدو العلاقة بين الدولة والمجتمع وكأنها حوار يدور على مستويين مختلفين من العمق. الدولة تنظر إلى التحديات من علٍ، تقرأ خرائط العالم، تحسب أثر الصراعات البعيدة، وتُقدّر انعكاسات الاقتصاد والسياسة والأمن على مستقبل الكيان ككل. بينما ينظر المجتمع من مستوى الحياة اليومية، من سعر سلعة، أو فرصة عمل، أو قلق على الأبناء، أو خوف من المجهول. كلا المنظورين مشروع، وكلاهما ناقص إن ظل أسير زاويته وحدها.
الدولة، بحكم مسؤوليتها التاريخية، لا تملك رفاهية السطح. فهي مضطرة للذهاب عميقاً في قراءة التحولات الدولية: عالم يعيد ترتيب موازين القوة، واقتصاد عالمي لم يعد كريماً، ونظام دولي يتآكل ببطء. في هذا العمق، ترى الدولة ما لا يراه المجتمع بسهولة: المخاطر المؤجلة، والتكاليف الخفية، وثمن الاستقرار إذا تُرك دون إدارة. لذلك تبدو قراراتها أحياناً ثقيلة، أو باردة، أو غير مفهومة، لأنها صيغت بلغة المستقبل لا بلغة اللحظة.
في المقابل، المجتمع لا يعيش في الجداول الاستراتيجية، بل في التفاصيل. حياته اليومية هي معيار الفهم والحكم. حين تضيق الخيارات، أو تتغير أنماط العيش، أو يُطلب منه الصبر دون شرح كافٍ، فإنه يفسر التحديات بظاهرها: “الضيق”، “الضغط”، “الغلاء”، دون أن يرى السلسلة الطويلة التي قادت إلى ذلك. وهذا ليس عيباً في المجتمع، بل طبيعة بشرية؛ فالفرد يقيس العالم بما يلامس يومه، لا بما يهدد الغد البعيد.
هنا تنشأ الجدلية: دولة تفكر بعمق استراتيجي، ومجتمع يفهم بعمق معيشي. الإشكال لا يكمن في اختلاف العمقين، بل في غياب الجسر بينهما. حين لا تترجم الدولة رؤيتها بلغة قريبة من الناس، يشعر المجتمع بأن التحديات تُفرض عليه لا تُناقش معه. وحين لا يحاول المجتمع تجاوز ظاهر الأحداث لفهم السياق الأوسع، تتحول السياسات العامة إلى مادة للقلق بدل أن تكون مشروعًا مشتركًا.
التوازن المطلوب لا يعني أن تتنازل الدولة عن عمقها، ولا أن يُطالب المجتمع بما لا يحتمل. بل يعني إعادة تعريف العلاقة: الدولة مطالبة بأن تُشرك المجتمع في الفهم، لا في القرار فقط؛ أن تشرح لماذا تذهب إلى خيارات صعبة، ولماذا تؤجل بعض الرفاهيات لصالح استقرار أطول. والمجتمع، في المقابل، مطالب بأن يدرك أن ما يعيشه ليس معزولاً عن عالم مضطرب، وأن بعض التحديات ليست نتيجة تقصير داخلي بقدر ما هي ارتدادات لتحولات كبرى.
في التجارب الناجحة، لم تكن الدول قوية فقط بقراراتها، بل بثقة مجتمعاتها. هذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالشفافية، وبالاعتراف بأن التحديات حقيقية، وأن أثمانها موزعة بعدالة، وأن الصبر ليس مطلباً مفتوحاً بلا أفق. كما أن المجتمع الواعي لا يكتفي بالشكوى، بل يسأل: ما دوري؟ كيف أتكيف؟ وكيف أكون جزءًا من الحل لا مجرد متلقٍ للنتائج؟.
نحن اليوم أمام لحظة فارقة: إما أن يبقى كل طرف أسير عمقه الخاص، فتتسع الفجوة، أو أن نُدرك أن العمقين مكملان لا متعارضان. فالدولة التي ترى بعيداً، تحتاج مجتمعاً يفهم أكثر من الظاهر. والمجتمع الذي يعيش الضغط، يحتاج دولة تشرح له لماذا هذا الطريق، وإلى أين يقود.
حين يلتقي عمق الدولة بوعي المجتمع، تتحول التحديات من عبء ثقيل إلى مسار مفهوم. وحينها فقط، لا يبدو المستقبل غامضاً، بل صعباً.. وقابلاً للإدارة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة