د. ناصر بن علي الجهوري|
في عالم اليوم، تحولت السياحة إلى صناعة متكاملة تقوم على السرد، والهوية، والقدرة على تحويل المكان إلى قصة، والتاريخ إلى تجربة، والرمز إلى قيمة اقتصادية مضافة. وقد أصبح المعنى الكامن وراء المكان، والقدرة على رواية حكايته، عنصرين حاسمين في تشكيل التجربة السياحية.
وفي هذا السياق، تبرز الميثولوجيا بوصفها أحد الموارد الثقافية غير المادية التي لم تُستثمر بعد بالقدر الذي يليق بإمكاناتها، رغم ما تحمله من قدرة عالية على إعادة تقديم الأمم، وتعزيز جاذبيتها السياحية، ودعم اقتصادها الإبداعي. وتملك سلطنة عُمان، بما تختزنه من عمق حضاري، وتنوع بيئي، ورصيد غني من الحكايات والأساطير الشعبية، فرصة حقيقية لتوظيف هذا المورد بوعي واستدامة.
الميثولوجيا، في جوهرها، ليست خرافة تُروى، بل خطاب رمزي تشكّل عبر الذاكرة الجمعية، وعبّر من خلاله الإنسان عن فهمه للعالم، وتفسيره للطبيعة، وتنظيمه لعلاقته بالمكان والزمان. وهي تمثل سجلًا ثقافيًا غير مكتوب لتجربة الإنسان في مواجهة المجهول، وتحوّلات الحياة، وقوى الطبيعة.
وفي السياق العُماني، تتجلى الأساطير الشعبية المرتبطة بالبحر والملاحة، والجبال والكهوف، والرحلات البعيدة، بوصفها انعكاساً لتجربة إنسانية عميقة، شكّلت وعي المجتمع، وأسهمت في صياغة شخصيته الثقافية عبر قرون طويلة من التفاعل مع الطبيعة، والتجارة، والعالم الخارجي. وقد ارتبطت هذه الحكايات بالأمكنة، فأصبحت جزءًا من ذاكرتها الرمزية، ومنحها ذلك خصوصية ثقافية قابلة لإعادة التقديم السياحي.
إن توظيف هذا الإرث في السياحة لا يعني اختلاق سرديات أو تشويه الحقائق التاريخية، بل يعني إعادة تقديم المحتوى الثقافي بلغة معاصرة، وتحويل الرمز إلى تجربة، والحكاية إلى منتج سياحي ذكي. وهو توظيف يقوم على الجمع بين الأصالة والابتكار، ويحترم الذاكرة الثقافية، ويستجيب في الوقت ذاته لتوقعات السائح المعاصر.
فالتجارب العالمية تؤكد أن السائح اليوم يبحث عن المعنى بقدر بحثه عن المتعة، وعن القصة بقدر بحثه عن الصورة. ومن هنا، يمكن للميثولوجيا أن تُدمج ضمن السياحة الثقافية، وسياحة المغامرات، من خلال مسارات سياحية تحكي قصة المكان، ومتاحف تفاعلية، وعروض فنية، ووسائط رقمية، وألعاب وتجارب غامرة تستلهم الحكاية الشعبية بلغة بصرية حديثة.
وتُعد التجربة اليونانية مثالاً رائداً في هذا المجال، حيث نجحت في توظيف الأساطير الإغريقية القديمة كجزء أصيل من هويتها السياحية المعاصرة. فقد استقبلت اليونان أكثر من 33 مليون سائح في عام 2023، وأسهم قطاع السياحة بنحو 11٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وفق تقارير دولية. ويعتمد المنتج السياحي اليوناني بدرجة كبيرة على ربط المواقع الطبيعية والأثرية بالسرد الميثولوجي، مثل جبل أوليمبوس المرتبط بأساطير الآلهة، وجزيرة إيثاكا المرتبطة بأسطورة أوديسيوس، حيث تُقدَّم هذه الأماكن للزائر ضمن تجربة ثقافية متكاملة تُسوَّق عالميًا تحت عناوين تستحضر الأسطورة كجزء من الهوية.
اقتصادياً، يفتح توظيف الميثولوجيا في سلطنة عُمان آفاقاً واسعة، لإيجاد فرص عمل نوعية، خصوصاً في مجالات الإرشاد السياحي، والصناعات الثقافية، والإنتاج الإعلامي، وصناعة المحتوى، والتصميم، والتقنيات الرقمية. كما يعزز من تنافسية المنتج السياحي العُماني في الأسواق العالمية، عبر تقديم تجربة قائمة على الأصالة والسرد الثقافي، لا على الاستنساخ أو التقليد. والأهم من ذلك، أنه يسهم في صون التراث غير المادي، وتحويله من مادة مهددة بالاندثار إلى عنصر حيّ في دورة الاقتصاد الوطني.
ويمكن لسلطنة عُمان أن تبدأ بخطوات تطبيقية محددة، عبر اختيار نماذج ميثولوجية عُمانية معروفة، مثل الحكايات البحرية المرتبطة بالملاحة العُمانية، أو أساطير الأودية والكهوف والجبال والرمال، وتحويلها إلى مسارات سياحية مروية، وتجارب رقمية تفاعلية، وعروض ثقافية حيّة، تُقدَّم للزائر ضمن إطار يحترم التاريخ ويُحيي الرمز، ويحوّل الحكاية المحلية إلى تجربة عالمية قابلة للتسويق والاستدامة.
غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، وشراكة فاعلة بين الجهات الثقافية والسياحية والتعليمية، واستثماراً جاداً في البحث والتوثيق، وتأهيل الكفاءات الوطنية القادرة على تحويل الحكاية إلى مشروع، والرمز إلى تجربة، والتراث إلى قوة ناعمة ذات أثر اقتصادي مستدام.
فالأسطورة ليست ماضياً يُستدعى للحنين، بل مورداً حضارياً يمكن، إذا أُحسن توظيفه، أن يكون أحد مفاتيح المستقبل السياحي والاقتصادي لسلطنة عُمان، في عالم يتنافس فيه الجميع على القصة قبل الصورة، وعلى المعنى قبل المكان.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة