مقال | قبل الوظيفة.. وعيٌ يسبق الاستحقاق

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في خضم الحديث المتواصل عن الوظائف، والفرص، والعدالة الوظيفية، يبرز سؤال هادئ لكنه عميق: ماذا يعني أن نكون أهلا

 للوظيفة قبل أن نكون مطالبين بها؟. ليس بوصفها منّة ولا تفضّلاً، بل بوصفها مسؤولية تتطلب وعياً يسبق المطالبة، واستعداداً يوازي الاستحقاق.

الوظيفة، في معناها الأوسع، ليست مجرد موقع عمل أو مصدر دخل، بل دور اجتماعي ضمن منظومة أكبر. هي حلقة في سلسلة الثقة بين الفرد والمؤسسة، وبين المواطن والدولة. وكلما كان هذا الوعي حاضراً، تحولت الوظيفة من إطار إداري إلى مساحة عطاء، ومن التزام شكلي إلى مشاركة حقيقية في البناء.

من الطبيعي أن يطمح الإنسان إلى العمل، وأن يسعى إلى الاستقرار الوظيفي، فذلك حق مشروع، وضرورة للحياة الكريمة. غير أن هذا الحق يكتمل حين يُقترن بفهم متوازن لطبيعة الوظيفة ذاتها: ما الذي تتطلبه؟. وما الذي تضيفه؟. وما الذي تنتظره من شاغلها. فالوظيفة لا تمنح فقط، بل تطلب، ولا تفتح باباً للحقوق وحدها، بل تفتح باباً للواجبات أيضاً.

قبل دخول الوظيفة، ثمة أسئلة داخلية لا بد أن تُطرح بهدوء: هل أرى في العمل قيمة بحد ذاته، أم مجرد محطة مؤقتة؟. هل أتعامل مع الوقت بوصفه أمانة، أم تفصيلاً قابلاً للتجاوز؟. هل أؤمن بأن الإتقان جزء من الأخلاق، لا مجرد مطلب إداري؟. هذه الأسئلة لا تُطرح للمحاسبة، بل للتبصّر، لأنها تشكّل أساس العلاقة بين الإنسان وعمله.

ضمير الوظيفة ليس مفهوماً مثالياً بعيداً عن الواقع، بل ممارسة يومية بسيطة: الالتزام، الصدق، احترام النظام، وتقدير أثر العمل مهما بدا صغيراً. هو أن يؤدي الموظف واجبه بذات الجدية في وجود الرقابة أو غيابها، وأن يرى في المنصب أداة خدمة لا مساحة تميّز. حين يحضر هذا الضمير، تقل الحاجة إلى التشدد، ويكبر منسوب الثقة، وتتحسن جودة الأداء تلقائياً.

كما أن المطالبة بالوظيفة، حين تُبنى على الاستعداد المهني والوجداني، تصبح أكثر رسوخاً وأقرب إلى العدالة. فالمؤسسات، شأنها شأن الأفراد، تبحث عمن يضيف قيمة، لا عمن يشغل موقعاً فقط. والوظيفة الناجحة هي تلك التي يلتقي فيها حق الفرد مع مصلحة المؤسسة، ضمن فهم متبادل لا غالب فيه ولا مغلوب.

وليس المقصود من هذا الحديث تحميل الفرد وحده المسؤولية، فالمؤسسات بدورها مطالبة بتوفير بيئة عادلة، وفرص تطوير، ونظم تقييم منصفة. لكن العلاقة الصحية بين الطرفين تبدأ من وعي الفرد بدوره، كما تبدأ من التزام المؤسسة بمسؤولياتها. إنها علاقة تكامل لا تقابل، وتوازن لا صراع.

في تجارب الدول التي استطاعت بناء مؤسسات فعّالة، كان الوعي الوظيفي جزءاً من الثقافة العامة، يُغرس مبكراً في التعليم، ويُعزَّز في التدريب، ويُمارس بهدوء في الحياة اليومية. لم يكن العمل مجرد واجب ثقيل، بل مساحة انتماء، ولم تكن الوظيفة غاية، بل وسيلة للإسهام.

لذلك، فإن الدعوة هنا ليست للتقليل من المطالب، ولا لتأجيل الحقوق، بل لدعوتها أن تأتي مصحوبة بوعيها الكامل. فحين يسبق الوعي المطالبة، تصبح الوظيفة أكثر استقراراً، وأكثر إنتاجاً، وأكثر احتراماً لصاحبها ولمحيطه.

الوظيفة، في النهاية، لا تبحث عن الأعداد فقط، بل عن المعنى. ومن أدرك معناها قبل أن يدخلها، دخلها بهدوء، وأداها بثقة، وخرج منها بأثر طيب.. له ولغيره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*