د. رجب بن علي العويسي|
أولى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، منذ توليه مقاليد الحكم، في الحادي عشر من يناير من عام 2020 اهتمامه السامي بتعزيز التنويع الاقتصادي في ظل معطيات وتحديات اقتصادية ارتبطت بانخفاض أسعار النفط وارتفاع الدين العام، في خطوة مهمة لبناء اقتصاد مستدام يستفيد من الموقع الجيوسياسي والفرص السياحية المتحققة منه خاصة في ظل ما تتمتع به سلطنة عُمان من ثروات طبيعية داعمة للتنوع السياحي وجاذبة للسياح في إطار الثقافة العمانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش واحترام الاخر، والبناء على المشتركات، ناهيك عن التنوع الثقافي المادي وغير المادي الذي أصبح ركيزة السياحة العالمية
وحملت خطابات جلالة السلطان في مضامينها عند الحديث عن التنويع الاقتصادي والاستدامة، رسائل واضحة حول التوجه نحو جعل سلطنة عُمان وجهة اقتصادية سياحية استثمارية رائدة، مع التأكيد على استغلال المزايا التنافسية وتوجيه التنمية إلى المحافظات وفق خصوصيتها النسبية. وشكّلت هذه المرتكزات أساسًا لوضع السياحة ضمن أعمدة التنويع الاقتصادي في رؤية عُمان 2040، باعتبارها قطاعًا قادرًا على توليد القيمة المضافة، وتعزيز الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتحقيق التنمية المتوازنة بين المحافظات.
وتتميز السياحة العُمانية بفرادة سياحية تجمع بين التنوع الجغرافي والبيئي، والعمق التاريخي والحضاري، والاستقرار السياسي والاجتماعي. فمن السواحل الممتدة على بحر العرب وبحر عُمان، والشواطئ الباردة من محافظة ظفار إلى رأس الحد في محافظة جنوب الشرقية، إلى سلسلة جبال الحجر الشاهقة ، مروراً بالصحارى والسهول ورمال بدية، وصولاً إلى استثنائية خريف ظفار، لتتشكل خلالها منظومة سياحية متنوعة تستقطب أنماطا متعددة من السياحة، منها: السياحة الترفيهية، والبيئية، والثقافية، والتراثية، وسياحة المغامرات والمؤتمرات.
وقد تجلت هذه المقومات في مؤشرات قطاع السياحة. حيث بلغت مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي 2.7 مليار ريال عُماني في عام 2024، ، الأمر الذي يؤكد تنامي دور القطاع كرافد أساسي للاقتصاد الوطني والأنشطة الاقتصادية غير النفطي. كما وصل إجمالي الإنفاق السياحي إلى حوالي 1.02 مليار ريال عُماني، ما يعكس تحسن معدلات الإقامة والإنفاق، وارتفاع جودة الخدمات السياحية المقدمة.
وعلى مستوى حركة السياحة الوافدة، استقبلت سلطنة عُمان خلال عام 2024 قرابة 3.8 مليون سائح وافد، في مؤشر يعكس ثقة الأسواق الخارجية بالوجهة العُمانية، مدعومة بسياسات التسهيل، من بينها إعفاء مواطني أكثر من 105 دولة حول العالم من تأشيرة الدخول السياحية ، وتوسيع شبكة الطيران العماني الناقل الرسمي لوجهات سياحية متعددة حول العالم، وتحسين بيئة الأعمال السياحية.
ويُعد موسم خريف ظفار نموذجاً متقدماً لتجسيد سياحة المواسم. وبلغ إجمالي عدد زوار موسم خريف ظفار 2025 (من 21 يونيو حتى 31 أغسطس 2025) حوالي( 1,027,255 ) مليون زائرا، وأسهم في تنشيط قطاعات الإيواء، والنقل، والتجارة، والخدمات، إلى جانب تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص موسمية للشباب العُماني. كما عزز الموسم مكانة ظفار كوجهة سياحية إقليمية، وأكد أهمية الاستثمار في المواسم السياحية كأداة لتنويع المنتج السياحي.
وتنسجم هذه المؤشرات مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي وضعت السياحة ضمن القطاعات الواعدة، مستهدفة رفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.5% بحلول عام 2030، ثم إلى 5.3% بحلول عام 2040، عبر تطبيق الحوكمة، وتطوير البنية الأساسية والناعمة، وتعزيز الاستدامة، ورفع تنافسية المنتج السياحي العُماني إقليميًا وعالميًا.
وفي الشأن ذاته، تأتي الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026–2030) لتترجم هذه الرؤية إلى برامج تنفيذية، يُتوقع أن تركز على تعظيم العائد الاقتصادي من السياحة، وزيادة الاستثمارات النوعية، وتعزيز دور المحافظات في إدارة مواردها السياحية، وتمكين القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الجادة، إلى جانب دعم ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها محركات أساسية للنمو السياحي.
أخيراً، فإن تجليات الحادي عشر من يناير في قطاع السياحة تتجسد اليوم في وضوح رؤية العمل الوطني ومسار التوجه السياحي، وتنامي إيجابية المؤشرات ، واتساع نطاق الفرص المتحققة. ومع استمرار الرعاية السامية لهذا القطاع، وتكامل الأدوار السياحية بين الحكومة والمواطنين والقطاع الخاص، تصبح السياحة العُمانية مهيأة للانتقال إلى مرحلة أكثر نضجاً وتأثيراً، واجهة حضارية لسلطنة عُمان، وركيزة اساسية في اقتصادها المتنوع ومستقبلها الواعد.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة