د. قاسم بن محمد الصالحي|
في السجالات العامة، لا تكون الكلمات مجرد أصوات متقابلة، بل مرايا تكشف ما تحت السطح. وما جرى بين وزير العمل وأعضاء مجلس الشورى حول ملف الباحثين عن عمل لم يكن خلافاً عابراً، بل تشريحاً علنياً لجرحٍ قديم، كلما حاولنا تضميده عاد ينزف بلغة جديدة.
المشكلة، في جوهرها، ليست في عدد الباحثين عن عمل فحسب، ولا في أرقام التوظيف التي ترتفع وتنخفض بحسب المواسم والبرامج، بل في طبيعة العلاقة المختلة بين الدولة وسوق العمل والمجتمع. هذا الخلل ظهر بوضوح في السجال؛ حين تحدّث كل طرف من زاويته الصحيحة، لكن دون أن يلتقيا في منتصف الطريق.
أعضاء مجلس الشورى تحدثوا بلسان الشارع. لم يقرأوا تقارير باردة، بل استمعوا لوجوه شابة أنهكها الانتظار. أسئلتهم حملت قلقاً مشروعاً، وربما شيئاً من الغضب المكبوت: لماذا تتكرر الوعود ولا يتغير الإحساس العام؟. لماذا يبدو الباحث عن عمل وكأنه رقم مؤجل في قوائم لا تنتهي؟. هذه الأسئلة لم تكن اتهاماً بقدر ما كانت صرخة، لكنها في بعض لحظاتها توقفت عند حدود الوصف، ولم تنفذ إلى بنية الخلل نفسها.
أما الوزير، فقد تحدث بلسان الدولة. لغة محسوبة، هادئة، تستند إلى ما هو متاح لا إلى ما هو مأمول. قدّم صورة بانورامية لسوق العمل، كما تراه الحكومة: اقتصاد يتحول، قطاع خاص لم ينضج بعد، تعليم لا يزال ينتج مخرجات أكثر من حاجات السوق، ودولة لا تستطيع – ولا ينبغي – أن تكون رب العمل الأول إلى الأبد. كان حديثه واقعياً، لكنه واقعٌ لا يواسي، ولا يطمئن من يقف على حافة الانتظار.
هنا، تحديداً، تكشف طبيعة الخلل: الفجوة بين منطق السياسات ومنطق الحياة اليومية. فالدولة تتحدث عن الاستدامة، والمجتمع يتحدث عن اليوم التالي. الدولة تفكر في الهيكل، والمواطن يبحث عن وظيفة. كلاهما على حق، لكن الحق حين لا يُترجم إلى مسار ملموس يتحول إلى عبء نفسي واجتماعي.
الخلل الأعمق هو أننا لا نزال نتعامل مع البطالة بوصفها “ملفاً” لا “منظومة”. نضعها في وزارة، ونحاسبها في مجلس، بينما جذورها موزعة بين التعليم، والاقتصاد، والثقافة الاجتماعية، وحتى الخطاب العام الذي ما زال يقدّس بعض الوظائف ويزهد في أخرى. وفي هذا السياق، يصبح السجال متكرراً، لأن الأسئلة تعود بأسماء جديدة، والإجابات تُعاد بصياغات مختلفة.
ليس المطلوب من مجلس الشورى أن يكون خصماً للحكومة، ولا من الوزير أن يكون محامي دفاع دائم عن السياسات القائمة. المطلوب هو أن يتحول هذا النوع من السجال إلى نقطة انعطاف:
سجال يعترف بأن برامج التوظيف وحدها لا تصنع سوق عمل صحياً، وأن تحفيز القطاع الخاص دون ضبطه لا يصنع عدالة، وأن تحميل الشباب مسؤولية “عدم المواءمة” دون مراجعة عميقة لمنظومة التعليم ليس إنصافاً.
ما كشفه هذا الحوار، بوضوح مؤلم، هو أننا نعيش مرحلة انتقالية لم نُسمِّها بعد باسمها الحقيقي. نحن بين اقتصاد كان يعتمد على الدولة، واقتصاد لم يكتمل اعتماده على السوق. وبين جيل تربّى على يقين الوظيفة، وواقع لا يقدّم سوى احتمالات.
السجال، في حد ذاته، لم يكن المشكلة. المشكلة أنه يعكس واقعاً نناقشه منذ سنوات، بذات اللغة، وبذات القلق. وإذا لم نغتنم هذه اللحظة لتحويل التشخيص إلى شجاعة قرار، فسيظل الباحث عن عمل حاضراً في القاعة.. غائباً عن الحل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة