مقال | بشائر تحت الأرض.. ووعيٌ فوقها

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في كل مرة يُعلن فيها عن اكتشافٍ نفطي جديد في سلطنة عُمان، يتسلل إلى الوجدان شعورٌ مفرح بأن الأرض ما زالت تخبئ لنا الكثير. أرقامٌ تُتداول، ومربعاتٌ تُطرح، وشركاتٌ عالمية تعود أو تدخل بثقة.. مشهدٌ يبدو وكأنه يبشر بمرحلةٍ اقتصاديةٍ أكثر اتساعاً وطمأنينة.

لكن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يُصاحبه وعي. فهذه البشائر، على أهميتها، ليست وعدًا فورياً بثروةٍ متدفقة، بل إشاراتٌ إلى مسارٍ يُبنى بهدوء. بين الاكتشاف والإنتاج مسافاتٌ من العمل: دراسات، وتقنيات، واستثمارات، وقراراتٌ دقيقة تحكمها كلفة الاستخراج وتقلبات الأسواق العالمية.

ما يحدث اليوم في قطاع النفط العُماني هو أقرب إلى “نموٍ ذكي” لا “طفرة مفاجئة”. دخول شركات دولية، وتوسّع رقعة الاستكشاف، وتطوير الحقول القائمة، كلها تعكس ثقةً متزايدة في الإمكانات، لكنها في الوقت ذاته تضعنا أمام مسؤولية القراءة المتزنة. فليس كل ما يُكتشف يُنتج، وليس كل ما يُنتج يُحقق عائدًا سريعًا.

المجتمع الواعي هو من يرى في هذه المعطيات فرصةً للتفاؤل المسؤول، لا للمبالغة. يفرح، نعم، لكنه لا ينجرف خلف التهويل. يدرك أن النفط موردٌ مهم، لكنه ليس المصير الوحيد. وأن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم الاحتياطي بقدر ما تكمن في حسن إدارته وتوظيف عوائده.

إن البشائر التي تحت الأرض تكتمل فقط حين يقابلها وعيٌ فوقها. وعيٌ يُدرك أن الثروة ليست لحظة اكتشاف، بل رحلة استثمار، وأن المستقبل لا يُبنى بما نملكه من موارد فحسب، بل بكيفية تحويلها إلى تنميةٍ مستدامة، تليق بعُمان وتاريخها ورؤيتها القادمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*