مقال| دولة تُدار بمكبرات الصوت.. حين تتحول التفاصيل إلى إرباك عام

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في الأزمنة التي تتداخل فيها الأصوات، وتتشابك فيها المنابر، صار السؤال عن كل صغيرة وكبيرة عادة يومية، حتى غَدَت التفاصيلُ سوقاً مفتوحة، يُباع فيها «الظاهر» على الأرصفة، ويُستدرج «الباطن» إلى الضوء قبل أوانه. لم يعد المواطن يكتفي بمعرفة اتجاه المسار العام، بل صار يطالب بالمشهد كاملاً-من خرسانة المشروع إلى نوع القلم الذي وُقّعت به الميزانية، وفي زحمة هذا التنقيب المحموم، تضيع أحيانًا قيمة السؤال نفسه.

هناك فرق بين الرقابة بوصفها حقاً أصيلاً، والمساءلة باعتبارها عماد الشراكة الوطنية، وبين الفضول المتربص الذي يحوّل العمل العام إلى مسرح من الضجيج، ما دامت الجهة الرسمية قد أعلنت خطتها، وربطت التزاماتها بميزانية ومواعيد وأهداف، فإن دور المجتمع أن يراقب العدالة والشفافية، لا أن يغوص في دهاليز “كيف فُتح الباب؟. ومن ضغط الزر؟. ولماذا لم يجلس الوزير على الجانب الأيمن من الطاولة؟”.

إن ضوء الشمس كافٍ لإظهار الخطوط الكبرى، أما طلب استنطاق الظلال فهو ضرب من إرباك العمل. الجهات التشريعية المنتخبة وُجدت لحماية الحق العام، ترسم الحدود، وتقرأ الأرقام، وتتابع تنفيذ القوانين. والجهات التنفيذية وُجدت لتحمل مسؤولية الإنجاز، وتتحمل عبء التفاصيل التي لا يمكن أن تُدار بجماهير منصات التواصل، فإذا تقاطع هذان الخطّان مع ضجيج السؤال عن “تفاصيل التفاصيل”، ضاعت الأولويات بين من يطالب بتغيير لون الجدار، ومن يزعجه طول الافتتاح، ومن يقيس رضاه بعدد الصور المنشورة.

الشراكة الوطنية ليست انكشافًا كاملاً، وليست مطالبة بأن يُنقل كل قرار عبر مكبّر صوت، الشراكة وعيٌ بالمصالح العامة، وقدرة على ترك الجهاز التنفيذي يعمل وفق خطة ومسؤولية، مع محاسبة عادلة وهادئة حين يخفق، أما الخوض في الباطن والظاهر بلا حدود، فهو نزعة لجرّ مؤسسات الدولة إلى محكمة يومية، لا قانون فيها سوى الرأي اللحظي.

الدول لا تُدار بالنوايا وحدها، ولا تُبنى بالأسئلة الملحاحة التي تطلب كشف كل مسمار، هناك سرّ في التنظيم، وضرورة للتدرج، ومسافة فاصلة بين ما يجب إعلانُه، وما يجب تركه لأصحاب التكليف، إن كشف كل الأوراق قبل نضجها لا يحقق الشفافية، بل يُسقط العمارة قبل إكمالها.

حين يصبح السؤال أداة تنمّر، تفقد الدولة هيبتها، وتفقد المؤسسات قدرتها على الإبداع، وحين يكون السؤال حقًا يُمارَس بوعي، تتحول الدولة إلى نموذج راشد، يعرف فيه المجتمع متى يطرح السؤال، ومتى يترك العمل يتقدم، وبين هذين الحدين، تتحدد المسافة بين الشراكة الوطنية.. والإرباك العام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*