مقال | الاقتصاد البنفسجي.. نحو سياحة عُمانية تُثمّن الهوية وتُنتج قيمة

د. ناصر بن علي الجهوري

dr.nasser.aljahwari@gmail.com

تشهد سلطنة عُمان تحوّلاً نوعياً في رؤيتها للتنمية السياحية، متجاوزة النموذج التقليدي الذي يركّز على توظيف الطبيعة والبنية الأساسية، نحو نموذج أعمق يدمج الثقافة والهوية والجماليات في قلب العملية الاقتصادية. وفي عالم تتصاعد فيه أهمية الاقتصاديات القائمة على الإبداع والقيمة غير المادية، يأتي الاقتصاد البنفسجي كمسار عُماني واعٍ، يوفّق بين الأصالة وروح العصر، ويحوّل التراث إلى مورد إنتاجي.

ولفهم هذا التحول بوضوح، من المهم التمييز بين الاقتصاد البنفسجي والاقتصاد الثقافي التقليدي؛ إذ يمثل الاقتصاد البنفسجي توجهاً عالمياً حديثاً يقوم على دمج البُعد الثقافي والجمالي في الإنتاج والخدمات، بما يرفع جودة الحياة ويولّد قيمة اقتصادية مستدامة. وهو يختلف عن الاقتصاد الثقافي الذي يقدّم الثقافة كمنتج مستقل، بينما الاقتصاد البنفسجي يدمج الهوية في التجربة الاقتصادية كاملة، ويحوّلها إلى عنصر إنتاجي مباشر يعزّز التنافسية ويوجد قيمة مضافة.

ومن هنا تتضح أهمية البعد الثقافي في التنمية، فقد حظي المفهوم باهتمام مؤسسات دولية كاليونسكو والاتحاد الأوروبي. وتؤكد منظمة اليونسكو في تقريرها (Culture: Key to Sustainable Development) أن الثقافة تُعدّ ركناً أساسياً في التنمية المستدامة إلى جانب الاقتصاد والبيئة والمجتمع. كما يشير تقرير الاقتصاد الإبداعي الصادر عن الأونكتاد (UNCTAD 2010) إلى أن إدماج الثقافة في القطاعات الاقتصادية يعزّز القيمة المضافة ويحسّن التنافسية، وهي عناصر تحتاجها السياحة العُمانية في ظل التحول نحو اقتصاد متنوّع تدعمه رؤية عُمان 2040.

وانطلاقاً من النماذج الميدانية، تمثّل ولاية نزوى — وتحديدا حارة العقر — مثالاً حياً على إمكانيات تحويل الحواضن التراثية إلى منتج سياحي بنفسجي. فالحارة التاريخية التي تمتاز بعمارتها الطينية وأساليب عيشها التقليدية، توفر بيئة مثالية لتقديم التراث كتجربة معيشية نابضة، تتيح للزائر أن يختبر القيم والمهارات والذاكرة الحية… وهذا جوهر الاقتصاد البنفسجي.

وتشير بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى نمو إيجابي في مساهمة قطاع السياحة في الاقتصاد العُماني خلال عام 2024، بما يعكس تنامي دور القطاع في مسار التنويع الاقتصادي الوطني. ويأتي هذا النمو ليؤكد الحاجة إلى دعم التحول النوعي نحو نموذج سياحي قائم على الهوية والقيمة.

غير أن الطريق نحو اقتصاد بنفسجي متكامل ليس خالياً من التحديات؛ فهناك الحاجة إلى تطوير البنية الرقمية، وتأهيل الكوادر المحلية، وتحقيق التوازن بين حماية التراث واستثماره.

وللتعامل مع هذه التحديات، تبرز مجموعة من الحلول العملية، أهمها: تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لإطلاق مشاريع ثقافية مبتكرة، وتطوير برامج تدريب متخصصة لبناء قدرات الشباب في إدارة التجارب التراثية والتقنيات المرتبطة بها، واعتماد سياسات للحفاظ الذكي على التراث تدمج الحماية بالحياة اليومية، دون تشويه للأصالة. وإطلاق مبادرات للتحول الرقمي الثقافي تعرض التراث عبر تقنيات تفاعلية دون المساس بموقعه الأصلي.

ومن جهة أخرى، يمنح الاقتصاد البنفسجي السياحة العُمانية ميزة تنافسية مهمة، إذ يعزز جودة التجربة عبر دمج الجماليات والعمق الثقافي، ويفتح المجال لاستثمار التقنيات الحديثة كالواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) لإعادة تقديم التراث العُماني بأساليب مبتكرة وتقدم سردًا بصريًا ثرياً.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصاد البنفسجي يعيد تعريف القيمة من منظور إنساني، ويجعل الثقافة مصدراً للابتكار. ومن هذا المنطلق، يمكن تحويل السياحة إلى تجربة راقية تكشف جمال الهوية وروح المكان.

وأكد المؤتمر الدولي الأول للصناعات الإبداعية والابتكار المستدام، الذي نظمته جامعة التقنية والعلوم التطبيقية في نوفمبر 2025، أهمية السياسات الثقافية المبتكرة والصناعات الإبداعية، ودور التكنولوجيا والإبداع في دعم الاقتصاد الدائري، وتعزيز الترابط بين الثقافة والتنمية المستدامة.

وباعتماد هذا النهج، يمكن لسلطنة عُمان أن ترسّخ موقعها كوجهة ثقافية رائدة، تحترم الماضي وتستثمره، وتقدّم للعالم نموذجًا متوازنًا يجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الاقتصاد والإنسان. كما يمكن توسيع تجربة الاقتصاد البنفسجي لتشمل ولايات وقرى أخرى، بما يعزز الهوية المحلية ويوفر فرصًا اقتصادية مستدامة على نطاق أوسع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*