د. قاسم بن محمد الصالحي|
في زمن تتسارع فيه الأيام كأنها تركض نحو نهاياتها، يبقى وقت الإنسان أثمن ما يملك. ومع ذلك، لا يزال كثير من المراجعين يصطدمون بجملة تتكرّر في مؤسساتنا العامة والخاصة والبنوك: “موظفكم في إجازة.. عُد لاحقاً”.
جملة قصيرة، لكنها كفيلة بأن تعطل مصالح، وتزعج يوماً كاملاً، وتترك أثراً سلبياً ينساب كظلٍّ طويل على صورة الجهة التي نطق موظفها هذا الاعتذار البارد. هنا لا يكون المواطن في مواجهة موظف واحد، بل في مواجهة منظومة كاملة غابت عنها ثقافة استمرارية الخدمة.
إن الإجازة حق، والراحة ضرورة، والإنسان لا يعمل بلا انقطاع. لكن المؤسسة التي تتوقف لأن أحد أفرادها ذهب ليستريح، هي مؤسسة لم تُبنَ بعد على أعمدة الإدارة الحديثة، بل على أفرادٍ يتناوبون حمل المؤسسة على أكتافهم بدل أن تحملهم المؤسسة بعمل منظم وواضح.
أين المشكلة؟؛ المشكلة ليست في الإجازة، بل في غياب التسليم والاستلام، في نقص التخطيط، وفي أن كثيراً من الملفات لا تزال رهينة موظف واحد؛ إن حضر تقدّمت، وإن غاب توقفت. هذا الخلل يعكس ثقافة تحتاج مراجعة: ثقافة لا ترى في العمل “منظومة”، بل “مكتباً” لا يُفتح إلا بصاحبه.
ولماذا يتذمر المجتمع؟. لأن المواطن – سواء في مؤسسة حكومية، أو خاصة، أو بنك – لا يبحث عن اسم الموظف، بل عن الخدمة. يريد معاملة لا تتعطل، ووقتاً لا يُهدر، واحتراماً يسنده، لا اعتذاراً يعيده إلى نقطة البداية.
الناس اليوم يقدّرون المؤسسات التي تعمل بعقل جماعي، لا فردي.
التي تقول: “لا تتوقف خدماتنا.. نحن هنا لأجلكم، لا لأجل جداولنا وحدها”.
من أجل ذلك.. هذه مناشدة، إلى كل مؤسسة عامة، وكل شركة، وكل بنك: رتّبوا إجازات موظفيكم كما ترتبون موازناتكم.
ضعوا آليات واضحة للتسليم والاستلام. لا تجعلوا المراجع يسمع جملة “الموظف في إجازة” إلا بوصفها معلومة، لا عائقاً. واعلنوا للناس -قبل أن يغادر الموظف- من هو البديل، ومن يتولى متابعة الملفات.
فالمؤسسات الكبيرة تُقاس بقدرتها على عدم التوقف، لا بقدرة أفرادها على الحضور.
إنها ليست رفاهية.. بل احترام للناس؛ حين يجد المواطن أن عمله يسير حتى وإن غاب الموظف، فإنه يشعر أن المؤسسة تحترم عقله، ووقته، والتزامات يومه. ويشعر الموظف أيضاً براحة مضاعفة؛ لأنه يذهب لإجازته مطمئناً أن عمله لن يتحول إلى جبل ينتظره عند عودته.
ختاماً.. المؤسسة التي تبني نظاماً واضحاً للتسليم والاستلام تقول للمجتمع: “لن نترك خدمتكم معلّقة في غياب أحدنا.. فنحن أكبر من فرد، وأعمق من مكتب، وأقدر على الاستمرارية”.
فهل نصل إلى اليوم الذي لا يسمع فيه المواطن تلك العبارة المرهقة: “عُد بعد إجازة الموظف”؟. اليوم الذي نضع فيه قيمة الإنسان أولاً.. ونعامل وقته كأنه وقتنا؟.
لعلّ ذلك اليوم يبدأ بخطوة بسيطة.. ثقافة إدارة لا تغيب.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة