د. قاسم بن محمد الصالحي|
سيُفتح ستار القمة الخليجية السادسة والأربعين، كأن الزمن يتهيأ لامتحان جديد في الجغرافيا السياسية، وكأن الخليج يراجع دروسه القديمة ليكتب سطراً جديداً في دفتر المصير المشترك. وفي هذا المشهد المترقب، يبرز حضور جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، مثل جملةٍ تُحسن ترتيب الفكرة في نصّ مشتّت، أو مثل ضوءٍ يتقدم قليلاً في غرفةٍ امتلأت بالأسئلة.
ليس انعقاد القمة حدثاً عابراً، هو أشبه بلقاء شرايين عدة في قلب واحد، كل شريان يحمل معه نبضاته الخاصة، لكنّ الهدف في النهاية أن يستمر الجسد في الحياة. ومنذ إعلان موعد القمة، بدا الخليج كمن يشدّ عباءته استعداداً لضيف كريم، غير أن هذه المرة الضيف هو «المستقبل» نفسه، يأتي ليختبر قدرة هذا البيت على الوقوف خلف بابه متحداً.
في اليوم التالي لانعقاد القمة، سيقول كثيرون إن الحضور السلطاني رسالة سياسية. لكن قبل السياسة، هو رسالة طمأنينة. فحين تحضر عُمان، يحضر ذلك النوع من الحكمة التي لا تحتاج إلى رفع صوت، ولا إلى استعراض قوة. حكمة تسير بخطى واثقة، تمنح الآخرين مساحة للتفكير، وتعيد للحوارات نبرة العقل حين ترتفع حرارة الانفعال.
جلالة السلطان، بحضوره، لا يدخل القاعة فحسب؛ بل يدخلها ثقل تاريخٍ من الاتزان، وكأنه يضع على الطاولة ميزاناً دقيقاً تعوّدت عليه المنطقة، ميزاناً لا يميل إلا للحق ولا ينشغل بضجيج اللحظة.
طالما كانت القمم الخليجية أشبه بفصول رواية تتغير أزياء شخصياتها لكن يظل خطّها العريض ثابتاً: البحث عن صيغة تحفظ الأمن وتفتح أبواب الرخاء. غير أن قمة هذا العام تحمل نبرة مختلفة؛ فالعالم حول الخليج يتبدل بسرعة تكاد تسبق الإدراك: ممرات بحرية يعاد رسمها، اقتصاد عالمي يتنفس بصعوبة، وموجات صراع تقترب وتبتعد كأنها تختبر صبر المنطقة.
وفي وسط هذا الاضطراب، يأتي حضور جلالته ليقول إن الخليج يمكنه أن يكتب فصله القادم بيد ثابتة، بيدٍ تعرف أن الاستقرار ليس هدية بل قرار، وأن المستقبل لا يُمنح لمن يرفع صوته، بل لمن يحسن قراءة ما بين السطور في لحظة حساسة كهذه.
ستلتقي الوجوه، وستُفتح الملفات، وستُقال الكلمات الرسمية. لكن خلف تلك الكلمات، سيكون هناك معنى أكبر: أن دول الخليج ما زالت قادرة على الجلوس حول مائدة واحدة، تشاركها المخاوف ذاتها، والطموحات ذاتها، والقدر ذاته الذي يجمعها أكثر مما يفرقها.
وفي تلك اللحظة، سيكون للحضور العُماني دور يشبه النسمة التي تُهدي البحر قبل أن ترسو السفن. فهو حضور يذكّر الجميع بأن الخليج لا يحتاج فقط إلى اتفاقات، بل إلى روح. وروح الخليج، منذ عقود، كانت تجد في عُمان صوتها المتزن كلما احتدمت النقاشات.
وحين يختتم القادة أعمالهم، قد لا تتغير الدنيا في ليلة، لكن شيئاً ما سيتبدّل: سيتبدّل شعور الخليجيين بأن بيتهم ما زال قادراً على جمعهم، وأن المستقبل الذي يطلّ من نافذة القمة يمكن أن يكون أقل توحشاً وأكثر أملاً.
ووسط كل ذلك، سيبقى حضور جلالة السلطان هو السطر الأكثر هدوءاً.. والأعمق أثراً، سطر يقول إن الخليج لا يزال يستطيع أن ينهض، إذا نهضت فيه الحكمة قبل الخطابة، والثقة قبل الشك، والبصيرة قبل الحسابات الضيقة.
إنها القمة “46” للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.. لكن رسائلها بدأت منذ اللحظة التي قيل فيها: “يحضرها السلطان”.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة