مقال| السياحة الزراعية.. رافعة استراتيجية لتعزيز التنمية والاقتصاد

د. ناصر بن علي الجهوري|

dr.nasser.aljahwari@gmail.com

في قلب البيئات الريفية العُمانية، تكمن فرصة فريدة تمزج بين الأصالة والابتكار: السياحة الزراعية. هذه التجربة يمكن أن تكون جسراً يربط الإنسان بالأرض، ويحوّل الموارد الطبيعية إلى رافعة اقتصادية واجتماعية مستدامة، لبناء اقتصاد متنوع ينطلق من جذوره المحلية.

تمثل السياحة الزراعية قناة فعّالة لتنويع مصادر الدخل الوطني عبر تحويل المزارع من منشآت إنتاجية تقليدية إلى منصات اقتصادية متعددة الوظائف. وهذا الإطار يمكّن المزارعين وملاك المزارع من تحقيق دخل إضافي من خلال الجولات الزراعية، وأسواق المنتجات الطازجة، والبيوت الزراعية المفتوحة، وتجارب الحصاد. كما تسهم هذه المبادرات في تعزيز استدامة المزارع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير سلاسل قيمة تعتمد على الجودة والتسويق المباشر، الأمر الذي يدعم الأمن الغذائي الوطني ويرفع كفاءة الإنتاج.

ويمكن أن تؤدي السياحة الزراعية دوراً محورياً في تنمية المجتمعات الريفية عبر توفير فرص عمل محلية، وتعزيز استقرار السكان في مناطقهم، وتحفيز المشاريع الريادية للشباب. كما أن الجمع بين الطبيعة والأنشطة الزراعية يسهم في إيجاد بيئة اقتصادية مشجعة على الابتكار في المنتجات الزراعية، والصناعات الغذائية المنزلية، والمقاهي الريفية، والمنتجعات البيئية الصغيرة، والنزل الخضراء.

أما على الصعيد البيئي، فإن السياحة الزراعية تقدّم نموذجاً عملياً لتعزيز الاستدامة من خلال نشر الممارسات الزراعية الحديثة، وترشيد استهلاك المياه، وتبني تقنيات الري الاقتصادي، إضافة إلى إحياء الأنظمة التقليدية مثل الأفلاج. كما ترفع من وعي الزوار بقيم الحفاظ على البيئة والمسؤولية تجاه الموارد الطبيعية، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية لسلطنة عُمان ضمن رؤية عُمان 2040.

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن مبادرات السياحة الزراعية تسهم عالمياً في رفع إنتاجية المزارع الصغيرة عند تبني التقنيات الحديثة وتسويق المنتجات مباشرة للزوار. وعلى المستوى الدولي، تؤكد التجارب العالمية أن نجاح السياحة الزراعية يعتمد على تكامل ثلاثي بين: البنية الزراعية، والبنية السياحية، والمجتمع المحلي.

وفي السياق العُماني، تبرز السياحة الزراعية كامتداد طبيعي لقطاع يشكّل جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي، حيث تسهم البيئات الريفية المتنوعة في مختلف المحافظات في توفير قاعدة قوية لبناء تجارب سياحية تعليمية وحسية قائمة على المزارع، والمنتجات المحلية، والأنشطة الزراعية المفتوحة. كما تشير التقارير الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية بالزراعة إلى تنامٍ ملحوظ في قيمة الإنتاج وتحسن في جودة السلع الزراعية، وهو ما يعزز قدرة هذا القطاع على أن يكون رافدًا فعّالًا في تطوير السياحة الريفية والزراعية، وفتح مجالات جديدة للاستثمار المجتمعي.

ورغم هذه الإمكانيات الواعدة، إلا أن نجاح السياحة الزراعية يستلزم معالجة عدد من التحديات، أبرزها تفاوت جاهزية البنية الأساسية، وافتقار العديد من المزارعين وأصحاب الحيازات إلى التدريب المتخصص في إدارة التجربة السياحية، إلى جانب موسمية الإقبال وصعوبة التسويق الاحترافي للمنتجات. وتؤكد منظمة السياحة العالمية(UNWTO) في تقاريرها أن تجاوز هذه التحديات عبر تطوير التشريعات، وتعزيز البنية الأساسية، وتمكين سلاسل القيمة المحلية، يمثل عناصر حاسمة لنجاح النموذج الزراعي السياحي واستدامته.

وتعد التجربة الإيطالية من أبرز النماذج العالمية في هذا المجال، حيث تجمع بين الإقامة الريفية والمشاركة في الأنشطة الزراعية. وفي أستراليا، تقدّم المزارع جولات تعليمية تدمج بين الإنتاج الزراعي والتثقيف البيئي، بينما طوّرت دول أخرى نماذج مبتكرة حوّلت بعض المزارع إلى فضاءات ثقافية ومتاحف مفتوحة، بما في ذلك تجارب دول شرق آسيا. وتبرهن هذه التطبيقات الدولية على قدرة هذا القطاع على إيجاد قيمة مضافة اقتصادية واجتماعية وثقافية.

ومع التوجه المتصاعد عالمياً نحو السياحة البيئية والزراعية، تمتلك سلطنة عُمان فرصًا استثنائية في محافظات عدة، خاصة في الباطنة والداخلية وظفار والشرقية، لتقديم منتج سياحي يربط الإنسان بالأرض، ويجمع بين الأصالة والتجدد، ويعزز حضورها على خارطة السياحة العالمية.

فالسياحة الزراعية استثمار في الأرض والإنسان والهوية الوطنية والتنمية المستدامة. ومن خلال دعم هذه الرؤية، يمكن لسلطنة عُمان أن تصنع نموذجاً سياحياً مبتكراً يجمع بين الأصالة والتجدد، ويؤكد للعالم أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن تتناغم مع حماية البيئة، ويمثل كل مزرعة فرصة لصناعة مستقبل مستدام للأجيال القادمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*