مقال| الهوية تحت ضغط التحوّلات

د. قاسم بن محمد الصالحي|

تشهد المجتمعات اليوم أشكالاً غير مسبوقة من التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والسياحية، تتداخل فيها عوامل العولمة مع تداعيات الأزمات الدولية، وتتشابك فيها مسارات التكنولوجيا والاتصال وتأثيراتها على بنية الوعي الجمعي. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تتشكل لدى بعض شرائح المجتمع العُماني حالة من التذمّر أو المقارنة المستعجلة بالآخرين، وكأن الواقع المحلي يتحرك بمعزل عن الخرائط العالمية، أو كأن التحديات التي يواجهها المجتمع العُماني حالة استثنائية لا شبيه لها في العالم.

إلا أن الواقع، عند فحصه فحصًا موضوعيًا، يعكس صورة مختلفة تماماً؛ فالتحديات التي نراها اليوم ليست نتاجاً داخلياً محضاً، ولا تعبيراً عن خللٍ في بنية الهوية، بل امتداداً لموجات تضرب سواحل الشعوب كافة. فالأزمات الاقتصادية تراجع دورها المحلي التقليدي لحساب عوامل خارجية كاضطرابات سلاسل الإمداد، والتحديات الجيوسياسية، وتغير أنماط التجارة، بينما تتعرض المجتمعات -ومنها العُماني- لضغوط اجتماعية وثقافية مصدرها الفضاء الرقمي المفتوح الذي لا يعرف حدودًا ولا يلتزم بسياقات.

ورغم ذلك، يظل المجتمع العُماني محافظاً على رباطة جأشه وهويته المتماسكة بصورة لافتة، متكئًا على إرث حضاري طويل ونسق قيمي متين أثبت قدرته على امتصاص الصدمات التاريخية والتحوّلات الحضارية دون أن يفقد توازنه. هذه الهوية ليست شعاراً ثقافياً، بل منظومة متكاملة تنعكس في العلاقات الاجتماعية، في أخلاقيات العمل، وفي طبيعة الخطاب العام، وفي تلك القدرة الفريدة على تحقيق توازن بين الانفتاح على العالم والتمسك بالثوابت.

إن مقارنة الواقع المحلي بالصور النموذجية التي تُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي -أو بالمعايير المتخيلة لمجتمعات أخرى- لا يقدّم قراءة منصفة، بل يخلق فجوة بين الواقع وتصوراته. فالدول التي تُضرب بها الأمثلة نفسها تعاني اليوم من تحديات متجذرة في بطء النمو الاقتصادي، وتآكل الطبقات الوسطى، وصعود النزعات الشعبوية، وتحولات الهجرة، وتراجع شبكات الأمان الاجتماعي. كما أن السياحة التي تُقدّم في بعض الأحيان كمعيار للمفاضلة هي ساحة دولية شديدة التنافس، تُواجه فيها الدول الصغيرة والكبيرة على حد سواء صعوبات في إعادة تعريف هويتها الثقافية دون التفريط بجاذبيتها.

وفي المقابل، يحاول المجتمع العُماني منذ سنوات صياغة معادلته الخاصة: تطوير اقتصادي يعزز الإنتاجية دون القطيعة مع الموروث؛ انفتاح سياحي يستقبل العالم دون أن يبتلع ملامحه الثقافية؛ وحركة تحديث اجتماعية تراعي خصوصياته الأخلاقية وتماسكه الأسري. هذه معادلة لا تُبنى بقرارات سريعة ولا بمقارنات مبتسرة، بل برؤية تراكمية تفهم أن التغيير يحتاج وقتًا، وأن الهوية ليست مادة خاملة بل كيان حيوي يستجيب ويمتد ويعيد التشكل دون أن يفقد جوهره.

ومن هنا، فإن الخطاب المتذمر -حين يُختزل في المقارنات المجتزأة أو الأحكام النهائية- يُسهم دون قصد في خلق شعور عام بأن المجتمع في حالة فقد أو انحدار، بينما الحقائق تكشف عن مسار مختلف أكثر هدوءاً واتزاناً. ليست المسألة إنكاراً للتحديات، وإنما وضعها في سياقها الصحيح؛ فالعالم كله يعيش ضغطًا بنيويًا تتغير فيه موازين القوى، وتُعاد فيه صياغة القيم الاقتصادية والاجتماعية، وتخضع فيه الهوية الوطنية لاختبارات متكررة.

ولعلّ أبرز ما يميّز المجتمع العُماني في هذه اللحظة التاريخية هو قدرته على استيعاب التحوّلات من دون أن تتحوّل الهوية إلى ساحة صراع داخلي. فالصوت العقلاني هو السائد، والوعي الجمعي يميل إلى الاتزان، والنظام الاجتماعي -بكل ما فيه من أعراف وقيم- لا يزال قادرا على تماسكه. وهذا بحد ذاته إنجاز لا يُقاس في زمن تترنّح فيه كثير من المجتمعات تحت وطأة الاستقطاب والتشظي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*