مقال | عشرون نوفمبر.. عُمان حين تعود من الزمن القديم لتكتب حاضرها من جديد

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليس اليوم الوطني العُماني مجرد محطة احتفالية تتزيّن فيها الشوارع بالأعلام والصور، بل هو لحظة وعيٍ تتقد فيها الذاكرة، فيستيقظ التاريخ من سباته ليجلس معنا على ذات الطاولة، يحكي عن البدايات الأولى، وعن رحلة وطن عرف طريقه قبل أن تُرسم الطرق، وامتلك بوصلته قبل أن تُخترَع البوصلات.

في العشرين من نوفمبر، تعود عُمان من أعماق الزمن؛ من زمن البحّارة الذين طوّعوا البحر دون ضجيج، ومن زمن السلاطين الذين بنوا سلطة رصينة قوامها الحكمة قبل السيف، ومن زمن المجتمعات التي أدركت أن الانتماء ليس شعارًا، بل سلوكٌ يومي ومسؤوليةٌ ممتدة.

يومٌ كهذا لا يمر مرور الطقوس، لأنه يحتضن في داخله معنى الدولة العمانية الحديثة: دولة لم تُولد من فراغ، بل قامت على ركائز حضارية عميقة، وعلى مشروع سياسي بدأ منذ قرون، وترسّخ في عهد النهضة الأولى، ثم نهض مجددًا اليوم في عهدٍ يستند إلى الإرث ذاته بروحٍ أكثر وعياً وانفتاحاً.

حين نتأمل المشهد الإقليمي، ندرك قيمة الاستثناء العماني. فبينما تتقلّب خرائط المنطقة تحت ضغط الجغرافيا السياسية وصراعات النفوذ، حافظت عُمان على سياسة الاتزان التي صارت عنواناً لهويتها الدبلوماسية. هذا الاتزان لم يكن حذراً، بل كان رؤية؛ رؤية دولة تعرف حجمها، وتعرف أثرها، وتعرف أن الحكمة ليست ضعفاً، بل فن إدارة القوة.

وحين ننظر إلى الداخل، نجد مشروع الدولة يسير بثقة؛ انتقالٌ هادئٌ في السلطة، تحديثٌ في البنية الإدارية، إعادة بناءٍ لمفهوم التنمية بعيداً عن الارتجال، وتمكينٌ للمجتمع ليكون شريكاً في تحولات تزيد من قوة الوطن ومرونته أمام متغيرات عالم لا ينتظر أحداً.

اليوم الوطني هو لحظة نقرأ فيها هذا المسار المتراكم، من زمن الإمبراطورية البحرية إلى زمن الدولة الحديثة، ومن زمن الشتات البحري إلى زمن الدولة التي تُمسك بخيوط المستقبل بيدٍ ثابتة.

في نهاية الأمر، كل سرديات الوطن تنتهي عند الإنسان. الاحتفال الحقيقي اليوم ليس بالمباني ولا بالمشاريع، بل بالروح العُمانية التي ظلت – رغم كل ما مرّت به المنطقة – محافظة على نسقها الأخلاقي: التواضع، الصبر، العمل، وعدم الانجرار إلى التوتر والخصومات.

هذه الروح لم تكن مصادفة، بل نتاج بيئة تشكّلت لقرون على حوافّ البحر والجبال والصحراء، بيئةٌ صنعت إنساناً لا ينهار أمام الشدائد، ولا يبالغ في الفرح، ويعرف كيف يوازن بين الطموح والواقعية.

العشرون من نوفمبر ليس فقط لحظة تذكر، بل لحظة مراجعة.

إنه دعوة لنسأل أنفسنا: ماذا سنقدّم لهذا الوطن في العقود القادمة؟؛ كيف نضمن أن تبقى عُمان واحة اتزان في محيط ملتهب؟؛ وكيف نُبقي على مشروع الدولة متصلاً بجذوره، منفتحاً على العالم، واقفًا بثبات على أرضه؟

إن مستقبل عُمان لن يُصنع بالحنين ولا بالشعارات، بل بالعمل الهادئ الذي لطالما آمن به العُمانيون، وبالتحديث المتزن، وبالإيمان بأن الدولة ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية شعبٍ يرى في وطنه امتدادًا لكرامته وتاريخه وهويته.

في العشرين من نوفمبر، يعود الوطن من الزمن القديم ليسألنا: هل ما زلتم على العهد؟؛ هل ما زلتم أبناء الحكاية التي لم تنتهِ بعد؟؛ وأمام هذا السؤال، لا نملك إلا أن نقف – مثل أسلافنا – بثبات الجبل، واتساع البحر، وعمق الذاكرة، ونقول: نعم… نحن هنا، نواصل كتابة الفصل الجديد من قصة عُمان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*