د. قاسم بن محمد الصالحي|
لم تكن عُمان يوماً صفحة عابرة في كتاب الأمم، بل سطراً مكتوباً بمداد الإرادة، وحضوراً إنسانياً صلباً تعاقبت عليه أجيال صنعت من الجغرافيا قدراً، ومن القدر مشروعاً، ومن المشروع حضارة ممتدة في البحر والصحراء والجبل. فالعُماني ليس ابن أرضٍ فقط، بل ابن رؤيةٍ وصمود؛ يورّث أبناءه معنى النهوض كما يورّثهم حجارة البيوت ومسالك الواحات.
منذ أن وقفت السفن العُمانية على بوابات الهند وشرق أفريقيا، كان الإنسان العُماني يدرك أن الحضارة ليست ترفًا، بل فعل حضور في العالم، وأن الهوية لا تُكتسب بالمحافظة الساكنة، بل بالقدرة على العبور والتأثير وترك الأثر. جيلٌ يسلم جيلاً هذا الوعي العميق، فيبقى الوطن متصالحاً مع جذوره ومنفتحاً على العالم في آنٍ واحد.
لم تُبنَ عُمان بسواعد الرجال وحدها، بل برؤاهم واستراتيجياتهم؛ من هندسة الأفلاج التي شقت القيعان، إلى بناء القلاع التي صانت الأرض، إلى نظم التجارة التي جعلت من المرافئ جسور معرفة وثقافة. إن ما يميز الإنسان العُماني أنه يشتغل على الأرض بروح الحارس وصبر البنّاء؛ يزرع النخلة ليأكل ثمرتها غيره، ويرصف المسار ليعبره القادمون بعده بلا عثرة.
واليوم، وهو يقف على عتبة نهضةٍ متجددة، لا يزال العُماني حاملاً لنفس الرسالة: أن تُبنى الأرض من دون أن تُمسخ الهوية، وأن يُفتح باب المستقبل دون أن يُغلق باب التاريخ. فالقيم التي صاغتها التجارب القديمة لا تزال وقود العمل الجديد؛ التواضع، الرشد، الاتزان، والإيمان بأن الوطن ليس مكاناً فقط، بل معنى ومسؤولية.
إن تعاقب الأجيال في عُمان لم يكن انتقالاً بيولوجياً فحسب، بل انتقالاً للوعي: وعي بأن الحضارة مشروعٌ يومي، وأن الهوية ليست قناعاً ثقافياً، بل ممارسة أخلاقية. ولهذا ظل الإنسان العُماني – في الريف والساحل والجبل – قادراً على المواءمة بين الحداثة وعمق الأرض، بين اقتصاد الغد وروح الأمس، وبين الانفتاح على العالم والحفاظ على نسغ الذات.
هكذا تستمر عُمان صانعة حضارة، لا تُعلّق أمجادها على جدران الماضي، ولا تستعير حاضرها من غيرها؛ بل تبنيه بيد ابنها الذي ظل، عبر القرون، وفياً لفكرة واحدة: أن الوطن يُبنى حين يُحمل في القلب قبل اليد، وحين يكون الإنسان مشروع أمة لا مجرد فردٍ عابر في عمر التاريخ.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة