د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست عُمان رقعةً على خريطةٍ منبسطة، بل قطعةٌ من الطمأنينة خُطّت على صفحة الجزيرة العربية بلونٍ مغايرٍ من الهدوء والأدب. وحين نقرأ في الذاكرة النبوية إشاراتٍ خفيةً لهذه الأرض وساكنيها، ندرك أن طهر الجغرافيا لا ينفصل عن نقاء الإنسان.
يروي أهل الأخبار أن نسوةً من أهل عُمان استأذنّ على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعد وفاة النبي ﷺ، فلما سألهن: «مِن أين أنتن؟»
قلن: «من أهل عُمان».
فقالت رضي الله عنها:
“رحم الله أهل عُمان، سمعت حبيبي ﷺ يقول: سيكثر رواد حوضي من أهل عُمان”.
ولئن لم يُثبت المحدثون السند المتصل لهذا الأثر، فإن وجدان المعنى أصدق من الإسناد؛ إذ لا يُستغرب أن تفيض الرحمة على قومٍ جعلوا من الأدب خُلقًا، ومن الدين سلوكًا، ومن الحلم منهجًا. لقد عرفت عُمان طريق الإسلام طواعيةً لا سيفًا ولا رهبة، بل قلوبًا انفتحت على الهُدى كما تنفتح الصحراء على المطر.
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم قال النبي ﷺ: “لو أتى أهلُ عُمان ما سبّوكم ولا ضربوكم” كلمات قليلة لكنها ختمُ شهادةٍ نبويةٍ على طيب المعدن وسلامة الصدر في أمةٍ كان فيها الاختلاف سهلًا والغلظة قريبة والوفاء نادراً.
هكذا خُصّت عُمان بجغرافيتها قبل أن تُخصّ بأهلها؛ فكانت الأرض التي تصل بحر العرب بطمأنينة الجبال، وتصل الداخل بالبحر، والعقل بالعاطفة. في طبيعتها اعتدال، وفي ناسها اتزان، وفي تاريخها صمتٌ حكيم يشبه سكون الموج قبل الفجر. وما كان لهذا الاتزان أن يولد من فراغ؛ فالمكان حين يصفو يورث أهله صفاءً، والزمان حين يستقيم يصوغ الإنسان على مهلٍ في أناةٍ وتفكرٍ وصبر.
ولعلّ قول أم المؤمنين “سيكثر رواد حوضي من أهل عمان” ليس وعدًا بعدد، بقدر ما هو إيماءة إلى الطينة الطيبة التي تجعل الإنسان جديراً بأن يَرِد حوض الرحمة، خفيفَ الظلم، نقيَّ السريرة، طاهرَ اليد واللسان.
إن عُمان – في ذاكرة الإسلام – لم تكن ساحة غزو، بل منطلق سلام، ولم تكن مطمعًا للغزاة بقدر ما كانت ملاذًا للحكماء. ومنذ أن حملت إلى النبي ﷺ رسائل عبدٍ وجماعةٍ من أهلها يطلبون الهداية لا الغنيمة، انفتح لهم الباب على مصراعيه، فكان الإسلام فيهم استقراراً لا اضطراباً، وعمقًا لا سطحاً.
واليوم، تمتد تلك البركة التاريخية في ثوبٍ جديد؛فالدبلوماسية العُمانية تمشي على خطى تلك النبوة التي مرّت بقلوب الناس قبل أن تمرّ بأرضهم. تتحدث عُمان إلى العالم بلغة الهدوء لا الضجيج، وبمنطق الحكمة لا المصادمة، حتى غدت “الدبلوماسية الهادئة” علامةً مسجّلة باسمها في قاموس السياسة الدولية.
فمن صلالة إلى مسندم، ومن نزوى إلى صور، لا تزور السائحَ مناظرُ الجبال والبحار فحسب، بل تستقبله روحٌ مطمئنةٌ تشبه تلك الرحمة التي دعت بها عائشة لأهل عُمان.
السائح في عُمان لا يُعامل كغريب، بل كضيفٍ على مائدة التاريخ، يقرأ في وجوه الناس معنى الحياء والكرم، وفي العمران المتناسق احترام الإنسان للطبيعة، وفي الأسواق القديمة حوارًا هادئًا بين الأصالة والحداثة.
وهكذا تتجلّى عُمان في صورتها الحديثة كـ جسرٍ بين الشرق والغرب، وبين الذاكرة والمستقبل. تمارس السلام كما يُمارس الفن، وتعرض تراثها كما تُعرض القيم العليا: بلا صخبٍ ولا ادعاء. ولعل هذا هو السر الذي جعلها وجهةً سياحيةً مميزةً ودبلوماسيةً مرهفة في آنٍ واحد؛ فهي لا تبيع المشهد، بل تُهدي المعنى.
فيا عُمان، يا أرض النقاء، ما زلتِ كما وصفك الأوّلون: رقيقةٌ في لغتك، صلبةٌ في معدنِك، هادئةٌ في شدتك، وأمينةٌ في وعدك. مرّ عليك طيفُ النبوة، فبارك فيك المكان والزمان، وبقي في الناس من يذكّرهم أن الطيبة ليست شعارًا يُرفع، بل نهجٌ يُمارس، ورسالةٌ تُساق بالحكمة والمحبّة والسلام.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة