مقال | الطيب العُماني: تجربة سياحية عطرية بين التراث والابتكار

د. ناصر بن علي الجهوري|
dr.nasser.aljahwari@gmail.com

منذ فجر التاريخ، يُتقن العُمانيون فنون الطِّيب كما يُتقن الشاعر صناعة القصيد؛ وكأنّ العطر في هذه الأرض المباركة يُولد من عبق الجبال وأريج الوديان ونقاء الروح الإنسانية.

تُعدّ صناعة الطيب والعطور في سلطنة عُمان جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والحضارية، وركيزة جمالية تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ، حين كانت قوافل اللبان تنطلق من ظفار لتملأ الدنيا عطراً ومهابةً، وتربط الشرق بالغرب في أقدم شبكة تجارة عطرية عرفها الإنسان.

لقد أدرك العُماني منذ القدم أن العطر رسالة، وأن رائحته تتحدث حيث تعجز الكلمات. لذلك أبدع في تركيب المكونات الطبيعية النقية، واستخرج من الكيذا والصمغ والورد والعود والعنبر واللبان والمسك والورس توليفاتٍ تعبّر عن بيئته، فكان العطر العُماني امتدادًا لروح المكان وذاكرة الإنسان.

وتجلّى هذا الفن الرفيع في منتجاتٍ تحمل عبق الأصالة ونفس الثقافة العُمانية، وهي منتجات باتت اليوم تُعرض في أبهى محافل الطيب والعطور العالمية، لتنافس العلامات الفاخرة وتُدهش الذائقة بصدقها وبساطتها الراقية.

ولأن السياحة الحديثة لم تعد مقتصرة على الطبيعة، بل امتدت إلى التجارب الحسية والثقافية، فقد أصبح الاهتمام بصناعة الطيب العُماني فرصة سانحة لتطوير سياحة نوعية جديدة. يمكن للسياح من خلالها زيارة المواقع والمتاجر التقليدية، والتعرّف على مراحل التقطير والمزج، والمشاركة في تجربة فريدة لصنع عطرهم الخاص تحت إشراف خبراء محليين، في رحلة تجمع بين التراث والحس الإبداعي المعاصر.

تشير التقارير العالمية إلى أن قطاع العطور الفاخرة يُسهم بأكثر من (50) مليار دولار سنويًا في الاقتصاد العالمي، ما يجعل الاستثمار في السياحة العطرية فرصة واعدة لسلطنة عُمان لتعزيز حضورها الدولي.

وانطلاقاً من هذا المعطى، يمكن توظيف الفكرة ضمن المشاريع السياحية الوطنية عبر إنشاء قرى مختصة للطيب والعطور العُمانية، كمراكز حية تجمع بين الورش التقليدية والمعارض التفاعلية، وتتيح للزائر خوض تجربة صناعة عطوره الخاصة من اللبان والورد العُماني وغيرهما.

ولتكن قرية الطيب والعطور في صلالة نموذجاً أولياً يجمع بين التراث الحي والمعرفة الحديثة، ليعيش الزائر تجربة حسّية متكاملة تبدأ من المكونات الطبيعية وتنتهي بزجاجة العطر أو بخوره الخاص.

إن إيجاد خطة متكاملة للنهوض بهذه الفكرة أمر ضروري، على أن تتضمن تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإقامة المعارض المحلية والدولية، وتدريب الكفاءات الشابة. كما يمكن للجامعات ومؤسسات التعليم العالي المساهمة في توظيف التقنية الحيوية لتطوير عمليات الاستخلاص والتقطير وتحسين الجودة، بما يعزز الابتكار والاستدامة. ومن جانب آخر، يمكن للقطاع الخاص التعاون مع الجهات السياحية لتطوير مسارات سياحة عطرية متكاملة، تشمل زيارة مزارع الورود واللبان ومصانع التقطير، إلى جانب تجربة فندقية تحمل هوية عُمانية معطّرة بالطيب.

بهذا التكامل، يمكن أن تتحول قرى الطيب والعطور إلى مشروع وطني متكامل يوحّد بين العلم والبحث والسياحة والاقتصاد، ويُسهم في توطين الصناعة وإيجاد فرص عمل مستدامة، ويُرسّخ مكانة سلطنة عُمان كعاصمة للهوية العطرية العربية الأصيلة.

إن الطيب والعطر العُماني يُجسّدان رسالة حضارية عميقة وجسراً نابضًا بين التراث والابتكار. فهما يعبّران عن روح المكان وذكاء الإنسان العُماني في تحويل الموروث إلى صناعة راقية تحمل عبق الأصالة وتستشرف المستقبل. والاستثمار في هذا القطاع العطري يمنح الزائر فرصة فريدة ليعيش تجربة حسّية متكاملة، حيث يفوح عبق التاريخ في كل رشة عطر، وتنبض عُمان بروحها الإبداعية في ذاكرة كل من يزورها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*