مقال| “كانوا يشتغلوا معنا”.. شهادة العزيمة ورسالة إلى شباب اليوم

د. قاسم بن محمد الصالحي| 

كثيراً ما نسمع في بعض المجالس، ووسائل التواصل الاجتماعي عبارة: “كانوا يشتغلوا معنا”، وتُقال أحياناً بنبرة استغراب أو تذمّر، لكنها – في حقيقتها – شهادة لا مطعن فيها. شهادة على جيلٍ من العمانيين حمل أمانة الكفاح على كتفه، وعاش في الداخل والخارج، يعمل في كل مهنة شريفة، حتى صنع لنفسه ولأبنائه حالاً أفضل، ومكانةً أرفع.

لقد اشتغل آباؤنا في البحر، وفي المزارع، وفي الورش والأسواق، ولم يترددوا في أن يطرقوا أبواب الغربة. كثير منهم حمل حقائبه وغادر الوطن، مهاجراً في طلب الرزق، يعيش الغربة وقسوتها، ويتحمل ألم الفراق، لكنه ظل وفياً لوطنه وأهله. كانوا يرسلون قوتهم من بعيد، ليعيلوا أسرهم ويبنوا بيوتهم، وكانوا يعودون محمّلين بخبرة الحياة وقيم الصبر والاعتماد على النفس. واليوم، حين يقال عنهم: “كانوا يشتغلوا معنا وأصبحوا أحسن حالاً”، فإنها ليست كلمة عابرة، بل وسام اعتراف بأن العمل الشريف والغربة الصعبة تحوّلت إلى عز وكرامة.

أيها الشباب، إن هذه العبارة ليست للتقليل، بل هي تذكرة بأن النجاح ثمرة صبر وجهد. ما بناه الآباء بعرقهم وأيديهم، هو الذي أتاح لكم اليوم فرص العلم والراحة، وفتح أمامكم أبواب الوطن مشرعةً لتكملوا المسيرة. فإذا كانت الغربة قد فرضت عليهم يوماً، فإن الوطن اليوم يحتاجكم أنتم، بعقولكم وعلومكم، لتبنوا فيه لا لتغتربوا عنه.

لقد حمل آباؤكم شرف العمل في الداخل والخارج، وأثبتوا أن العماني لا يعرف المستحيل، واليوم أنتم مدعوون لحمل الراية، أنتم أبناء زمنٍ يطلب منكم أن تردوا الدين لوطنٍ منحكم الأمن والتعليم والفرص. فلا تجعلوا العبارة “كانوا يشتغلوا معنا” عنواناً لحسرة أو تذمر، بل اجعلوها بداية وعي، ودافعاً إلى أن يقال عنكم غداً: “كانوا يشتغلوا هنا، في وطنهم، فبنوا وأعطوا، وأصبحوا أحسن حالًا وأرفع مقاماً”.

أيها الشباب، الوطن يناديكم، كما نادَى آباءكم من قبل، فاستجيبوا بالجد والعمل والإبداع. كونوا الامتداد الطبيعي لتلك السيرة العطرة، وأثبتوا أن العمل الشريف، في أي زمان ومكان، هو جسر العزة والرفعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*