مقال | الثقافة الصحية سر الوجهات السياحية الأكثر جاذبية

د. ناصر بن علي الجهوري|
dr.nasser.aljahwari@gmail.com

في عصر تتنامى فيه التحديات الصحية عالميًا، من انتشار الأوبئة إلى تزايد الأمراض المزمنة، لم تعد السياحة تُقاس بجمال الطبيعة أو عراقة التاريخ أو تنوع الأنشطة الترفيهية وحدها، بل أصبحت الثقافة الصحية للمجتمعات عاملاً حاسماً في تحديد الوجهات السياحية الأكثر جاذبية وأماناً.

فالزائر المعاصر يلتفت لكل تفاصيل البيئة التي يزورها من نظافة الشوارع، وتوافر مساحات للمشي وممارسة الرياضة، الغذاء الصحي والمتوازن، والالتزام الصارم بمعايير السلامة. هذه العلامات تعكس مجتمعاً واعياً بصحته، وتمنح الزائر شعورًا بالثقة والاطمئنان بأن رحلته ستكون آمنة وتجربته ممتعة ومتميزة ومتكاملة. ومن هنا، يمكن القول إن الثقافة الصحية أصبحت سر جذب السياح إلى الوجهات التي توفر هذه المقومات.

تشير تقارير دولية حديثة، مثل تقرير المجلس العالمي للسفر والسياحة لعام 2023، إلى أن سبعة من كل عشرة سياح يضعون الصحة ضمن أولوياتهم عند اختيار الوجهة السياحية. بعد جائحة كورونا، أصبح معيار الصحة العامة عنصرًا رئيسيًا في كل قرار سفر. فالمدينة أو الدولة التي تحافظ على صحة مواطنيها هي نفسها التي تجذب الزوار الباحثين عن رحلة آمنة وممتعة، وهو ما يضع الثقافة الصحية في قلب تنافسية الوجهات السياحية الحديثة.

تتجلى أهمية الثقافة الصحية في كونها عنصراً محوريًا ليس فقط لجذب السياح، بل لتعزيز صورة الوجهة عالمياً. فهي تمنح السائح شعوراً بالطمأنينة من خلال التزام المجتمعات بالنظافة العامة، وتطبيق معايير السلامة الصحية بدقة، كما تشكل أساساً لنمط متطور من السياحة العلاجية والوقائية.

ومن الأمثلة على ذلك، دول مثل ألمانيا وتايلاند وسويسرا، التي حولت الطب الوقائي والاستشفاء الطبيعي إلى ركيزة أساسية لمنتجعاتها الطبية، لتصبح علامات بارزة في مجال السياحة العلاجية. وإلى جانب ذلك، يبرز مفهوم الاستدامة الصحية كعامل مهم، حيث تتجه المدن التي تشجع على المشي وركوب الدراجات وتوفير أنماط حياة غذائية متوازنة لتكون وجهات مثالية لعشاق السياحة المستدامة. ومع امتزاج هذه القيم بالمناظر الطبيعية الخلابة، تكتسب الوجهات السياحية قيمة تنافسية عالية وتعزز حضورها في السوق العالمية.

تمتلك سلطنة عُمان مقوّمات تؤهلها لتبوؤ موقع ريادي في مجال الثقافة الصحية والسياحة الصحية، لا سيما في قطاع الرعاية الصحية الأولية، حيث بلغ رضا المجتمع عن الخدمات الصحية 81.8% في عام 2025. أن الجهود المستمرة في الوقاية والتطوير، والسياسات الصحية الذكية، تجعل من السلطنة نموذجًا يحتذى به، حيث يمكن للزائر الجمع بين العناية بصحته والاستمتاع بتجربة سياحية مميزة وفريدة من نوعها.

الاستثمار في الثقافة الصحية يمثل فرصة ذهبية لصناعة سياحة مستدامة ومتطورة، ويتيح للدول تعزيز تنافسية وجهاتها السياحية. فإدماج محاور مثل تحسين جودة الهواء، وضمان سلامة الغذاء، والمحافظة على البيئة والموارد الطبيعية، وتوسيع مساحات الرياضة العامة، والترويج للسياحة العلاجية والوقائية ضمن الاستراتيجيات الوطنية، يحول الثقافة الصحية من مجرد مفهوم إلى قوة ديناميكية، تصنع تجربة سياحية متكاملة وترتقي بجودة الحياة.

بذلك، تتحول الثقافة الصحية إلى سر الوجهات السياحية الأكثر جاذبية، وتفتح الأبواب أمام الزوار والمستثمرين على حد سواء، حيث يلتقي الأمان بالاستمتاع، ويجتمع الاطمئنان مع المغامرة، لتصبح كل رحلة إلى سلطنة عُمان أكثر من مجرد زيارة، إنها نموذجاً حياً وتجربة حياة متكاملة، تعكس صورة وطن يسعى للتميز والابتكار في كل جوانب حياته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*