مقال | بين وعي الواقع وخيال الافتراضي

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي| 

في زمنٍ تتزاحم فيه الأحداث، وتتصارع فيه الأصوات على منصاتٍ افتراضية لا تعرف سكوناً، صار البعض يلهث وراء كل ما يلمع أمامه من أخبار وقصص، فيتناولها دون تمحيص، وينقلها دون تحقق، بل ويُصدر الأحكام وكأنه صاحب القول الفصل. وهنا تكمن الخطورة: أن يتصدّر المشهد من لا يملك أدوات الفهم، أو يندفع في قضايا لا يعرف أبعادها، بينما ينشغل المجتمع بجدالات عابرة تُشتت ولا تُوجّه، وتُضعف ولا تُقوّي.

إن النظر إلى واقع غيرنا أمرٌ مطلوب، بل وضروري. فالأمم الحية لا تعيش في عزلة، وإنما تقرأ تجارب الآخرين لتستفيد منها، وتقيس واقعها على ما ترى وتسمع. غير أن هذا النظر يجب أن يكون بعينٍ فاحصة ووعيٍ ناقد، لا بعينٍ مبهورة بكل جديد، ولا بذهنٍ مأخوذ بكل ضجيج. فليس كل ما يجري في العالم صالحاً للاستنساخ، ولا كل ما يُتداول في الإعلام أو يُفبرك بوسائل الذكاء الاصطناعي يمثل الحقيقة.

لقد صار الذكاء الاصطناعي اليوم قادراً على تركيب القصص، وإنتاج مقاطع مرئية ومسموعة تبدو وكأنها الحقيقة ذاتها، بينما هي محض صناعة رقمية.. وهنا تتضاعف المسؤولية على الأفراد في التثبّت، وعلى المجتمعات في التحصين، وعلى الدول في التوعية. 

فكم من إشاعة أثارت بلبلة، وكم من خبر مختلق غيّر مجرى النقاش العام، وأشغل الناس عن قضاياهم الأساسية.

إن أخطر ما يمكن أن نصاب به هو أن نترك العنان لخيال العالم الافتراضي كي يقودنا، في حين أن واقعنا يحتاج إلى عقلٍ راشد يقوده، وإلى وعيٍ جمعي يميّز بين ما هو عابر وما هو جوهري.

فالذين يخوضون في كل قضية، ويعلّقون على كل شأن، ويصدرون أحكاماً في كل اتجاه، إنما يضعون المجتمع في دوامة من التشويش، ويفقدونه القدرة على التركيز فيما ينفعه ويخدم حاضره ومستقبله.

وهنا يأتي الواجب؛ أن نُحسن استخدام أدوات العصر. نعم، لا غنى عن وسائل التواصل في زماننا، ولكنها ينبغي أن تكون أداة بناء، لا وسيلة هدم، منابر للتنوير، لا ساحات للتشويش، جسراً للتقريب بين الأفكار، لا فجوةً تُعمّق الانقسام.

الوطن لا يُبنى بالصخب، ولا بالانفعال العابر، ولا بالجدالات التي لا تنتهي، وإنما يُبنى بالفكر المستنير، والعمل الجاد، والتوجّه نحو المستقبل بثقةٍ راسخة. وعُمان التي تعوّدت أن تكون في قلب التاريخ وصانعة للتوازنات، لا يليق بأبنائها أن ينجرّوا وراء الصغائر، أو أن يتركوا الفراغ يملأه الغريب. بل عليهم أن يكونوا كما أرادهم التاريخ: أوفياء للحقائق، حريصين على المصلحة، راسخين في المواقف.

ولعلّ ما قاله جلالة السلطان هيثم المعظم، حفظه الله ورعاه، يضع لنا البوصلة حين أكد: “إنما نهضات الأمم تُقاس بوعي أبنائها، ومدى إدراكهم لمتطلبات حاضرهم، وتطلعات مستقبلهم”.. وهذه الكلمات ليست مجرد مقولة، بل هي خارطة طريق، ودعوة مفتوحة لكل فرد أن يزن الكلمة قبل نشرها، والرأي قبل إطلاقه، وأن يجعل من وعيه صمّام أمان لمجتمعه.

فلننظر إذن إلى واقع غيرنا، ولكن لا لنعيش في ظلاله، ولا لنستنسخ أزماته، بل لنستخلص منه ما ينفعنا. ولننظر إلى واقعنا بعينٍ ناقدة، ولكن لا بعينٍ مثبّطة أو مقلّلة، بل بعينٍ واثقة قادرة على أن ترى مواطن القوة كما ترى مواطن الضعف، وتعمل على تعزيز الأولى ومعالجة الثانية.

إن الوعي لم يعد ترفا في هذا العصر، بل صار ضرورة وجودية، وكم هو جميل أن نرتقي بخطابنا، فنوجّه الكلمة في مكانها الصحيح، ونترك أثراً يبني ولا يهدم، ويهدي ولا يضلل. عندها فقط نصبح جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة، وعندها فقط نكون أوفياء لعُمان، ولرسالتها التي حملتها عبر قرون: رسالة الحكمة، والاتزان، والبصيرة النافذة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*