يكتبه: د. ناصر بن علي الجهوري|
dr.nasser.aljahwari@gmail.com
بين سفوح جبال الحجر الغربي، حيث تتعانق القمم مع الغيوم، وتتدفق العيون من بين الصخور، وتحيط بالقرى واحات النخيل وبيوت الطين والحجر؛ يختبئ تاريخ طويل من حياة الإنسان العُماني، صامت أحياناً، لكنه مفعم بالحكايات التي لم تُروَ بعد.
تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للسياحة (2024) إلى أن السياحة الريفية باتت تمثل أكثر من (15%) من إجمالي السياحة العالمية، وأن الطلب عليها ينمو بوتيرة سنوية متسارعة. هذا التحول يضع القرى العُمانية في قلب الفرص السياحية الجديدة، شريطة أن يُحسن استثمارها وتطويرها، وفق رؤية، واضحة، ومستدامة.
تزخر القرى المتناثرة في أودية جبال الحجر الغربي بكنوز طبيعية وتاريخية نادرة؛ فمن وادي بني خروص ووادي الحيملي، مروراً بأودية الجهاور وشافان والصرمي وحيبي والجزي، وصولاً إلى قرى رؤوس الجبال في مسندم مثل قرية السي وكمزار ومنطقة الحرف؛ تتشكل لوحة متكاملة تجمع بين جمال الطبيعة وأصالة التراث الإنساني. هذه المقومات تجعلها مؤهلة لتكون وجهات سياحية نابضة بالحياة، قادرة على الإسهام في تنويع الاقتصاد الوطني وإيجاد فرص عمل مباشرة لأبناء القرى والمواطنين.
وتضم هذه القرى مقومات طبيعية فريدة، عيون مائية صافية، أفلاج جارية، بيوت حجرية وطينية قديمة، وواحات زراعية وارفة، فضلاً عن الأبراج الأثرية والمساجد التاريخية التي تحكي قصص الاستقرار البشري وحضارة الإنسان العُماني. أما حياة أهلها اليومية المرتبطة بالزراعة وتربية الماشية والحرف التقليدية، فهي تمنح الزائر تجربة حيّة لا توفرها السياحة النمطية.
إلى جانب الطبيعة، تحمل هذه القرى ذاكرة ثقافية متفرّدة من الحكايات الشعبية، الأشعار، والأمثال التي تناقلتها الأجيال. هذا الرصيد الشفوي يضيف بعداً وجدانياً للزيارة، فيحوّلها إلى رحلة إنسانية متكاملة. فالسائح المعاصر يبحث عن القصة والرواية التي تحيط بالمكان والتاريخ وتمنحه فرصة التفاعل والتذوّق.
وبالنظر إلى التجارب الدولية، فقد نجحت إسبانيا في إعادة إحياء قراها الجبلية عبر تحويل البيوت القديمة إلى بيوت ضيافة وربطها بمسارات للمشي والدراجات، فأصبحت مقاصد عالمية للسياحة الريفية. أما اليابان، فقدمت للعالم نموذج “شير اكاوا-غو”، حيث تحوّل التراث العمراني إلى رافعة اقتصادية وسياحية. هذه النماذج تقدم دروساً يمكن الاستفادة منها عند تطوير قرى جبال الحجر الغربي مع الحفاظ على خصوصيتها وهويتها الأصيلة.
لكي تتحول قرى جبال الحجر الغربي إلى مشاريع سياحية مستدامة، لا بد من خطة وطنية شاملة ومتكاملة ترتكز على الشراكة بين الدولة والمجتمع المحلي والقطاع الخاص والجامعات، وتشمل:
• إعداد خرائط رقمية تفاعلية تُوجّه الزوار إلى المعالم المختلفة بكل قرية
• إنشاء مسارات للمشي الجبلي، وأخرى داخل الأزقة والحواري وبين جنائن النخيل.
• تحويل البيوت التراثية إلى نُزل سياحية تجمع بين الأصالة والراحة والخدمات اللائقة.
• تنظيم مهرجانات موسمية مرتبطة بالأعياد وحصاد الثمار والمنتجات الزراعية.
• تدريب أبناء القرى على تأسيس مشاريع صغيرة في الضيافة والإرشاد السياحي.
هذه الخطوات، إذا ما طُبقت، ستجعل من القرى مراكز جذب سياحي مستدام، وتفتح مسارات جديدة للتنمية المجتمعية.
إن قرى جبال الحجر الغربي نفائس سياحية واقتصادية حقيقية، تجمع بين جمال الطبيعة وأصالة التراث، وتزاوج بين التاريخ العريق والحاضر المتجدد، فيما تنتظر مستقبلاً يحوّلها إلى مشاريع عملية مدروسة. لقد تجاوزنا مرحلة الوصف والتشخيص، وحان وقت التنفيذ. فهذه القرى ومثيلاتها من كنوز عُمان الجغرافية والإنسانية قادرة على أن تتحول إلى قصة نجاح وطنية وعالمية، تُروى للأجيال القادمة وتُسجَّل على صفحات السياحة الدولية. إن الاستثمار فيها ضرورة اقتصادية واجتماعية تُسهم في توفير فرص عمل جديدة، وتعزيز موارد الاقتصاد الوطني، وترسيخ موقع سلطنة عُمان على خارطة السياحة العالمية.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة