مقال| الترقية والإلغاء بين لغة القرار ولغة المجتمع

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي| 

في أزمنة التحولات الإدارية والاقتصادية، تبرز بين الحين والآخر قرارات قد لا تُرضي جميع الأطراف، من ذلك ما وقع مؤخراً في قضية ترقية بعض الموظفين، ثم إلغاء تلك الترقيات بعد مرور سنتين، استناداً إلى مراجعة دقيقة أثبتت أن بعض الأسماء لم تكن مستحقة منذ البداية. هنا يثور السؤال: هل من الحكمة أن تُثار مثل هذه القرارات في وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة تُشعل التذمر وتؤجج السخط، أم أن الحكمة تقتضي التعامل مع المسألة بعقلانية وهدوء؟.

من المؤكد أن أي قرار إداري ليس معصوماً من الخطأ، لكن المؤسسات التي تراجع وتصحح مسارها تعكس مسؤولية أكبر وشفافية أوسع. فالإلغاء هنا ليس انتقاصاً من الموظف أو تقليلاً من جهده، بقدر ما هو إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وضمان العدل والمساواة بين جميع الموظفين.

أما لغة التذمر في فضاء المجتمع الافتراضي، فإنها سرعان ما تتحول إلى كرة ثلج تتدحرج لتضخم المشكلة، وتغفل الحل. في حين أن صوت الحكمة يدعونا إلى إدراك أن القرارات الإدارية تمر بمراجعات متواصلة، وأن باب التظلم الإداري والقانوني مفتوح أمام من يعتقد بوجود ظلم بحقه. وهذه قنوات حضارية للتعبير، أكثر نفعاً وأبقى أثراً من إثارة الرأي العام في منصات لا تضيف للمشكلة سوى المزيد من الضجيج.

لقد أكد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، في أكثر من خطاب على أهمية سيادة القانون وعدالة الفرص بين جميع المواطنين، وعلى أن الإصلاح الإداري ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لبناء دولة المؤسسات العادلة. ومن هنا، فإن أي مراجعة أو تعديل أو إلغاء لقرار سابق يدخل في إطار هذه الرؤية، التي تجعل من المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

إن ما نحتاجه اليوم ليس التوقف عند لغة القول وحدها، بل الانتقال إلى لغة الفعل، لغة التصحيح والتطوير والمساءلة المسؤولة. وما على الأفراد إلا أن يتريثوا قبل الانجراف مع الموجة، وأن يدركوا أن ردة الفعل هي أيضاً “لغة” تُقرأ وتُفسر، وقد تنعكس سلباً على صاحبها إن لم تُوزن بميزان الحكمة.

فلنترك التذمر، ولنمنح العقل مساحته، ولنعلم أن قوة المجتمعات تكمن في قدرتها على معالجة القضايا بهدوء، لا في إذكاء الضجيج. فالمقال أبلغ من القيل والقال، والفعل أسمى من إعادة تدوير المشكلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*