يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
إلى صانع القرار، في كل موقع من مواقع المسؤولية؛ إنّ النجاحات لا تُقاس فقط بما وُضع مدوّناً، بل بقدرتك على قراءة اللحظة، واستشراف ما بعدها، وتعديل المسار دون أن تفقد البوصلة.
فالتاريخ لا يُذكر الخطط التي بقيت حبيسة الأدراج، بل القرارات التي عانقت الواقع فصارت إنجازاً.
النظريات تُبنى على فرضيات، كما تُبنى البيوت على الأساسات، لكنها، إن بقيت أسيرة نصوصها، قد تصطدم بواقع لا يعترف بقيودها. هنا تتجلى الحكمة في ما قاله صاحب الجلالة السلطان المعظم: “الجيل بعد جيل يرفع رايته ملتزماً بإبقاء رسالة السلام لعُمان حيّة، فهم يبنون لا يُهدمون، يُقرّبون ولا يفرّقون”. فالنص إذاً، ليس قرآناً منزلاً، بل اجتهادٌ لابد أن يُراجع حين تتغير الظروف.
في هذا الإطار جاءت رؤية عُمان 2040، فالرؤية لم تُغلق أبوابها على خطة جامدة، بل صاغت مسارات مرنة، تستوعب الجديد وتصوّب المسار. وعدّد صاحب الجلالة مؤكدا: “نحن اليوم على عتبة مرحلة حيوية من البناء والتنمية شاركتم جميعاً في رسم ملامحها ضمن رؤية عُمان 2040، بكل وضوح وتوقع نحو مستقبل أكثر ازدهاراً”.
رأينا هذه المرونة تنعكس عملياً في تعديل أولويات البرامج الاقتصادية، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأسرع نمواً، وإدخال معايير الاستدامة البيئية إلى المشاريع التي لم تكن تراعي هذا البعد في بداياتها. هذه المرونة، بعيداً عن أن تكون تراجعاً عن المسعى، هي بالفعل ضمانة الوصول.
الطريق إلى الغايات الكبرى لا يسير على خط مستقيم، بل يتعرّج، يتلوى، يتطلب إعادة حسابات دائمة. والمكابرة على الواقع لا تُفضي إلا إلى فجوة بين ما نرنو إليه وما نستطيع بلوغه.
التخطيط الناجح ليس أن نرسم خطاً ونلزمه الواقع، بل أن نصغي للواقع ونعدّل الخط بما يجعل الوجهة ثابتة. وفي عالم تتسارع فيه التحولات، يصبح التعديل المدروس فضيلة، والمراجعة المستمرة قوة، والانفتاح على التجارب الجديدة ضرورة، حتى نصل إلى عام 2040 أقوى مما بدأنا، وأقرب إلى الحلم مما تخيلنا.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة