مقال| خريف ظفار.. بناسهِ وزواره

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|  

في ظفار، لا تنزل الأمطار فحسب، بل تنزل معها الطمأنينة، يغسل الخريف وجه الجبال، وتبتسم الأشجار بندى الوداد، وتمتد سجاجيد الضباب على السهول كأنها دعوة سماوية للهدوء والسفر الداخلي.

في ظفار، المكان بناسه وزواره، بناسه تعني حركة الحياة، ضجيج الفرح، الخطى المسرعة بين ردهات الأسواق وممرات الفعاليات، وزواره تعني اللقاء، الألفة، دفء القلوب التي تأتي من الشمال والجنوب لتجتمع في حضن الجنوب الأخضر.

يتوافد الناس على صلالة كما تتوافد النوارس على المرافئ الدافئة، هناك غبِطة لا تُخفى في عيون الزائرين، كأنهم عادوا إلى مكانٍ كانوا فيه ولم يغادروه إلا حلماً. العائلات تمشي على رصيف المطر، الأطفال يلعبون في حضن الغيم، والهواء العليل يسرد حكايات قديمة بصوتٍ أخضر.

ترحب بك ظفار كأنك من أهلها، ليس بالكلمات وحدها، بل بنظرات الباعة، وابتسامات المارة، ودفء المجالس، وعبق القهوة الذي يسبقك إلى المجالس التقليدية والأسواق المتزينة بنكهة المكان وتاريخه.

وفي الخريف، لا يقتصر الجمال على الطبيعة، بل يمتد إلى مشاهد تنموية تتحدث بلغة العصر، الطرق ممهدة كأنها امتداد للحلم، والمرافق العامة مهيأة بحب، والمراكز الخدمية تعمل كخلايا نحل، تستقبل الزوار وتوجههم وتلبي حاجاتهم دون عناء.

أما الفعاليات الثقافية والترفيهية، فهي مدن مصغرة للفرح، مهرجانات، عروض موسيقية، أمسيات شعرية، معارض تراثية، وفعاليات للأطفال تنبض بالحياة، كأن كل زاوية في المدينة أصبحت مسرحا مفتوحا للحب والدهشة.

وإن تساءلت عن الإقامة، فلن يخذلك التنوع؛ من المنتجعات المطلة على البحر، إلى النُزل العائلية ذات الطابع المحلي، وحتى الخيم الحديثة لمحبي التجربة المختلفة. الجميع يجد مكانه، كما يجد قلبه.

وراء هذا المشهد البهي، هناك اهتمام مؤسسي صادق، لا يستعرض الموسم كصورة، بل يصوغه كقصة، ويقدمه كمنجز وطني؛ من تخطيط البلديات، إلى دعم السياحة، إلى رعاية المجتمع المدني والمبادرات الأهلية، الكل يعمل لأجل موسم يليق بعُمان، ويليق بظفار.

خريف ظفار ليس مجرد فصل، هو موسم من الفرح الوطني، لوحة ترسمها الطبيعة وتكملها الأيادي العُمانية، فإذا زرت ظفار في خريفها، فأعلم أن كل خطوة تمشيها هناك، ستعود إليك ذكريات خضراء، فالمكان بناسه، والقلوب زواره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*