يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في سلطنة عُمان، لا يبدأ الصيف بانقلاب الشمس على خط الاستواء، بل حينما يحنّ النخل إلى عناق اليد، وحينما تهز النسوة السعف برفق، ويغني الفلاح في بساتين القيظ كأنّه يؤذن للفرح.
القيظ هنا ليس موسم حرٍّ فقط، بل موسم حياة، هو الزمن الذي تتعرق فيه الأرض جهدا، وتبتسم فيه السماء رضا، ويعلو نداء الصباح بـ”يا حلو القيظ، يا تمر الصيف، يا رطب الوادي”.
تُعرف سلطنة عُمان بفصولها التي لا تُقاس بالتقويم فقط، بل بثمارها، بأهازيجها، وبروائحها. ويظل موسم القيظ، الذي يبدأ عادة من يونيو ويستمر حتى أغسطس، أكثر المواسم احتفاءً في الريف العماني، حيث تنضج الرُّطَب وتتهادى ألوانها من الأخضر المائي إلى الأصفر الذهبي، ثم الأحمر العنّابي، في مشهد لا تكتبه إلا يد الخالق.
هنا، لا يُجنى الرطب فقط، بل يُجنى التراث، وتُورّث الأغنية، ويُعلَّق القلب على أغصان نخلة. في هذا الموسم، تغنّي النسوة بـ:
هو يا زينة يا زينة .. امنا النخلة يا زينة
من فضل خيرك تعطينا .. ومن فضل خيرك غنينا
وتردّد الجدّات أغنيات “الحِصاد” بلهجات متعددة، كلها تحمل ذات المعنى: الشكر والثناء، والرجاء أن تدوم البركة. تُردد على الشفاه كما يُردّد العاشق اسم الحبيب. وليس موسم القيظ وحده ما يزهر في سلطنة عُمان، فـالمانجو (أو “الأنبا” كما تُعرف محلياً) تحجز لنفسها مهرجاناً خاصاً في الجنوب والباطنة والشرقية.
شجرة مَلَكية، دائمة الخُضرة، تطرح ثمارها في صمت، ثم تعلن عن نفسها بعبقٍ يختلط برائحة الطين والمطر والملح البحري.
تُحصد “الأنبا” في مشاهد بهيجة، حيث يتسلّق الفتيان الأشجار، وتتعاون الأيدي في فرزها، وتُوزّع على الجيران كما يُوزّع الفرح. ولكل ثمرة في عُمان أغنيتها. أغنية الرطب فيها حنين وسكينة. وأغنية المانجو فيها خفة وظرافة:
أنبا يا أنبا.. من شِجرة الحَبّا
ريحة تهبّ، وطعم يُعَبّا
أليست هذه الأغنيات، وهذه المشاهد، جزءاً من هوية لا نريد لها أن تندثر تحت عجلات “الحداثة المعلبة”؟. أليس من الواجب أن نوثق هذا التراث الحي، لا كماضٍ يُحكى، بل كـ”حاضر مستمر”، يُدرّس في المدارس، ويُحتفى به في المواسم، ويُترجم حتى للعالم؟.
إن الزائر إلى سلطنة عُمان في موسم القيظ لا يأتي ليأكل الرطب فقط، بل ليذوق روح المكان. ليجلس في ظل النخل، ويستمع إلى “صوت الأرض وهي تُغني”. فهذه الأغاني ليست مجرد لهو عابر، بل تراتيل الفلاحين، وأناشيد البقاء، وشِعر الأرض لعشاقها. لعل أعذب ما في هذه المواسم، أنها تذكّرنا بأن البركة لا تنزل فقط من السماء، بل تصعد أيضاً من الأرض، حينما تُسقى بالمحبة، وتُغنّى بصدق، وتُحصَد برضا.
أدام الله مواسم الخير على سلطنة عُمان، وزادها نخلاً يُثمر، وقلباً يُنشد، وتراثاً لا يشيخ.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة