مقال| البلاد التي لا تُسبُّ زائراً ولا تُضربُ فيها القلوب

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

كان يُمطر خلقاً، ذلك النبي، حين قال: “لو أتيت أهل عُمان ما سبوك ولا ضربوك”، وكأنما كان يُنزل شهادة تاريخية على قومٍ لم يعرفهم سيف، ولم يُدجِّنهم سلطان، بل صاغتهم الأخلاق كما تصوغ الرياح الطيبة طين الأرض لينبت عطراً وسلاماً.

عُمان، البلاد التي لم تكن يوماً على هامش المكان، بل كانت مركزاً لحكايات البحر والتجارة والمروءة، لم تكن قبائلها تستجدي المجد، بل كانت تمشي إليه في الأسواق والعقول والقلوب.

منذ ما قبل الإسلام، كانت أقدام العمانيين تخطو في سوق عكاظ وسوق مجنّة، لكنهم لم يذهبوا للبيع فقط، بل لحمل الثقافة والمروءة، وكان للأزد ـ وهم سادة من سادات عُمان ـ في مكة سوقٌ عجيب في التأثير والمكانة، حملوا إليهم البخور واللبان، لكنهم حملوا قبل ذلك خلق اللسان ونظافة اليد.

ثم حين بزغ فجر الإسلام، لم يحتج النبي أن يرسل إليهم جيوشاً، بل أرسل إليهم قلوبا.. أرسل العلاء بن الحضرمي، ثم أرسل عمرو بن العاص برسالة لم يُكتب فيها تهديد، بل كانت تخاطب الفطرة، فكان أن أسلموا دون حرب، واستقبلوا الدين كما يُستقبل الضيف الكريم.

ولم يكن قول الرسول صدفةً أو مجاملة، لقد عَرَف القوم دون أن يراهم، وسمع أفعالهم قبل أن يرى وجوههم، فجاءت شهادته شهادة أخلاق لا شهادة جغرافيا: “لو أتيت أهل عُمان ما سبوك ولا ضربوك”، أي لوجدت فيهم ما يُفتَقد في غيرهم: لساناً لا يعرف السباب، ويدا لا تعرف العدوان، وقلوباً تنفتح على الآخر كما تنفتح النافذة للشمس.

انظر إلى صحار، تلك المدينة التي كانت سوقا عظيما يزاحم ضجيجها صمتَ الجبال، لم تكن مجرد محطة للقوافل، بل ملتقى لثقافات الأرض. كانت كتب الصين تُتبادل مع توابل الهند، وكان الشعر يتجاور مع النحاس، وكان العقل يُقيم حوارا مع البحر، فيُولد من ذلك كلّه ما نُسميه اليوم: الشخصية العمانية.

صحار لم تكن سوقاً تجارياً فقط، بل كانت سوقاً للمعرفة، فيها يبيع الناس الرأي، ويتداولون الحِكم، ويتسامرون على أطراف اللغة، حتى قيل إن صُناع الرأي من الفقهاء والفلاسفة مروا بها كما يمر البحر على ضفاف الميناء، يطبع أثره ويرحل.

واليوم، ما زالت هذه الأخلاق تسري في دم العماني، بلا تصنّع ولا ادّعاء. ما زالت ترى الابتسامة تسبق السؤال، والاحترام يسبق المصلحة. فإن دخلت ولاية، دخلت بيتاً؛ وإن قابلت شيخاً، قابلت تواضعاً؛ وإن صادفت موظفاً، صادفت إنساناً يفهم أن الخدمة ليست منّة، بل خلق.

في زمنٍ صاخب، تبيع فيه الدولُ هويتها لتشتري لقباً أو تحالفاً، تظل عُمان تغرّد خارج سرب الضجيج، لا تتكئ على التاريخ لتتكبر، ولا تنكفئ عليه لتنكفئ، بل تمضي بأخلاقها القديمة لتواجه تحديات العصر الحديث.

من لم يسبك يوماً، لن يخذلك غداً، ومن لم يرفع يده عليك، لن يسرق منك صوتك، لذلك كانت شهادة النبي، عليه الصلاة والسلام، ليست مدحا عابرا، بل هي دستور أمة، وسطر في كتاب لا ينتهي: “لو أتيت أهل عُمان ما سبوك ولا ضربوك”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*