يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي |
في الأزمنة القديمة، لم يكن العربي بحاجة إلى كتب الدبلوماسية ليعرف كيف يتحدث أو يتفاوض أو يصنع السلم والحرب. كان يعلم intuitively أن الكلمة ميثاق، وأن الجوار عهد، وأن الصلح لا يُفسد بالضغينة المستترة. كانت المعاملة مرآة لما في النفس، لا قناعًا لما يُراد إخفاؤه.
كانت سياستنا نحن – قبل أن نسميها دبلوماسية – تبدأ بآية وتنتهي بوصية، تبدأ بالصدق وتنتهي بالإحسان.. لم تكن المصالح تقود القيم، بل القيم تقود المصالح.. كانت كلمة “أخ” في مقدمة كل خطاب قبل كلمة “شريك”، وكانت كلمة “وفاء” أسبق من كلمة “مصلحة”.
لكن شيئا ما تغيّر في الطريق.. مع تمدد العالم، ودخول عواصف المصالح الكبرى، جلسنا ذات يوم إلى موائد الغرب نستمع إلى دروس جديدة. قيل لنا: «السياسة ليست كما كنتم تظنونها. السياسة لعبة مصالح، لا مكان فيها للعواطف ولا للأخلاق إلا بقدر ما تخدم الأهداف».
تعلمنا من تلك المدارس كيف نُجيد الالتفاف، وكيف نخفي الحقيقة وراء ابتسامة، وكيف نخدع القريب كما نخدع البعيد.. صرنا نحفظ أسماء الكتب الغربية في فنون التفاوض أكثر مما نحفظ وصايا جدودنا ومبادئ حضارتنا. وما كان ينبغي لنا أن ننسى.
لكن المشكلة الكبرى لم تكن في أنهم علمونا ما يوافق مصالحهم، بل في أننا نسينا ما يُناسبنا نحن، وتركنا الأصل وتعلقنا بالصورة.
صرنا نُقلد دبلوماسية الآخر حتى في تعاملنا مع بعضنا. صرنا نستعمل “تكتيكات القوة” و”براغماتيات المصالح” ونحن نخاطب أبناء جلدتنا، بل وأحيانا إخوتنا في الدين والجوار. نسينا أن بيننا رحمًا ونسجنا مكانها مصالح باردة.
الغرب له منطقه وله موروثه وله أهدافه، وهذا طبيعي، فكل أمة تسعى لمصالحها.. لكن المصيبة أن نُعطّل نحن مبادئنا العريقة، وأن نستبدل ما هو خير بما هو أدنى. العيب ليس في الآخر حين يبحث عن قوته، ولكن العيب أن نفقد نحن بوصلتنا ونحن نبحث عن مصالحنا. ما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد البوصلة، أن نعيد ترتيب أولوياتنا، أن نُعيد الاعتبار للأخلاق في السياسة، وللصدق في الخطاب، وللعدل في المواقف.
إن العالم لا يحترم الضعفاء حتى لو أتقنوا فنونهم. ولكن العالم يحترم من يحترم ذاته أولا، ومن يحمل قيمه بثقة لا بغرور، وبثبات لا بتردد. ليست الدبلوماسية قوة الكلام، بل قوة الموقف. وليست المهارة في إخفاء النوايا، بل في وضوح المقاصد مع الحكمة.
فلنعد إلى مدارسنا الأولى، إلى وصايا القرآن، إلى دروس السيرة، إلى رسالة العدل التي حملها الأنبياء، إلى سياسة من كان يقول: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). لسنا بحاجة إلى أن نلعن ظلام الآخرين. نحن فقط بحاجة أن نشعل من جديد نور أنفسنا.
والله من وراء القصد.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة