يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست كل رحلة سفَراً، ولا كل انتقال عبوراً، فثمة رحلات لا تقطعها الأقدام بل تقطعها الأرواح، تَقلّك فيها نواياك لا طائراتك، وتَبلغ بها مقاما لا تُحدّه الخرائط، بل يَحدّه صفاء القلب وصدق التوجّه.
الحج.. رحلة إلى بيت الله، نعم، لكنها قبل ذلك رحلة إلى أعماق الذات، إلى حيث تُصفّى النيّات وتنكشف طبقات النفس، وتذوب زينة الحياة الدنيا كما يذوب الثلج على أطراف الشمس.
الحج سياحة وجدانية، يُخلع فيها الجسد من لباسه، كما يُخلع القلب من تعلّقه. يقف الحاج على صعيد عرفات لا مزهوّاً بألقابه ولا متكئاً على أرصدته، بل عبداً مجرداً، كأنما خرج من رحم الأرض ليعود إليها طاهرا كما وُلِد.
هو سياحة عقدية، تنفض الغبار عن التوحيد، وتعيد له بهاءه الأول. فلا شرك يُرادف، ولا وسيلة تُقدّم، ولا واسطة تُطلب. كل شيء لله. لله وحده، لا شريك له؛ الطواف، السعي، التلبية، الذبح؛ كلها إشارات إلى درس التوحيد الذي كاد يبهت في زحام الحياة. ثم هو سياحة اجتماعية، حين تُزاحم كتفُ الفقير كتفَ الغني، ويتقاسم الغريب دعاءه مع القريب.. هنا يُكسر وهم الانفصال، فتدرك أنك جزء من أمّة، من سيلٍ بشريّ واحد، يفيض من مشارق الأرض ومغاربها نحو نقطة ضوء واحدة.
وما أعجبه من درس وحدوي! هنا لا جنسية، لا لون، لا لسان يعلو على آخر.
الكل في لباس الإحرام، أبيض كالسلام، سواسية كأوتاد الخيام. هنا تتكلم القلوب، وتتفاهم الأرواح، وتتناقل الأنفاس ذكرا ودمعا وتلبية. أما الحج كمدرسة تعليمية، فهو أن تَعلَم الصبر، لا من الكتب، بل من الزحام والتعب والسهر. أن تتعلّم كيف تؤخّر رغباتك، كيف تنتظر دورك، كيف تُقدّم غيرك، كيف تعيش يوما بلا رفاهية، بلا مرآة، بلا عطر.. وتظلَّ جميلا بنقاء النية.
في الحج، تُختصر الحياة كلها في أيام، مولدٌ عند الميقات، وسعيٌ بين الحلم والواقع، ووقوفٌ في عرفات كما سنقف يوم العرض، ورميٌ لكل شيطان فينا، ثم طواف وداع، كأنما نُسلّم على الدنيا مودّعين، وقد فهمنا الحكمة. الحج ليس عبادة فحسب، بل هو تجربة وجودية كبرى، يخرج منها الإنسان جديداً، لا كما جاء، بل كما ينبغي أن يكون: خفيفا من الذنوب، ثقيلاً بالمعاني.
إنه الحج.. حين تزور الله بقلبك قبل أن تزور بيته، وحين تعود من الرحلة، فتكتشف أن البيت الذي تغيّر، هو أنت.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة